الحقيقة التي خلص إليها سكوت جريشن الموفد الخاص لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى السودان بأن لا دليل يدفع إلى إبقاء السودان على القائمة الأميركية السوداء للدول الراعية للإرهاب، تؤكد أن السياسة الأميركية ليست ناصعة البياض وكثيرًا ما تصاب بالعرج والتشويش وتضل طريقها خاصة عندما يشعر أرباب العمل والشركات الاقتصادية العملاقة العابرة للقارات بوجود عراقيل تقف حائلاً عن عبورها حدود الدول ذات المناخات الاستثمارية والثروات الطبيعية كالسودان.

وتأكيد جريشن أمام أعضاء لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ أن أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تقدم على الإطلاق أي دليل ملموس يشير إلى أن السودان دولة داعمة للإرهاب، وأن معاقبة الخرطوم بعقوبات اقتصادية هو قرار سياسي، هو شهادة إدانة لسياسة واشنطن تجاه الخرطوم، وتعري هذه السياسة الأميركية وتبين أنها رهينة للقوى النافذة وجماعات الضغط المتمثلة في اللوبيات الاقتصادية والعسكرية والسياسية داخل الولايات المتحدة، قبل أن تكون تبرئة للسودان حكومة وشعبًا، لأن السودان لم يكن يومًا في موقع المدان.

فلقد ظل السودان منذ العام 1997 وما زال يدفع فاتورة العقوبات الأميركية الظالمة والتي فرضت عليه تحت مزاعم كاذبة وحجج واهية، مع أن الحقيقة اليوم هي أن السودان ضحية الإرهاب الذي يمارس عليه داخليًّا وخارجيًّا، ما عرقل التنمية وخرب الأمن والاستقرار وأدخله في دوامات تم حبكها في الخارج وتصديرها إليه، وكل ذلك لما يملكه السودان من موارد طبيعية نفطية ومعدنية وأراض خصبة ومياه متدفقة ومساحة شاسعة.

تمكنه من تحقيق الاكتفاء الذاتي وإقامة بنية تحتية متكاملة، ومشاريع تنموية طموحة تحقق له الاستقرار والاطمئنان وتحقق له وحدته، وتمكنه من أن يكون موردًا أساسيًّا لغذاء الوطن العربي، غير أن أقدار السودان شاءت أن يكون كغيره من الدول الغنية أن يتكالب عليه المستعمرون طمعًا في ثرواته، ومنعًا من أن يتحول إلى مصدر تجاري عربي يطيح بمصادر الإنتاج والتجارة الغربية، وعندما انتبه السودان إلى حجم الأطماع الغربية رافضًا فتح أبوابه أمام الشركات العابرة للقارات وتمكينها من أن تسلبه خيراته، أخذت السياسة الغربية تمارس دورها الدنيء نزولاً لرغبات هذه الشركات، فكانت النتيجة اتهامات كاذبة ودعايات جوفاء وتدخلاً سافرًا في الشؤون الداخلية.

ولعل ما يجري في إقليم دارفور من اضطرابات وتهجير وقتل ومد الفصائل المتمردة فيه بالمال والسلاح والدعم السياسي، ثم تحريك المؤسسات الدولية ضد الحكومة السودانية كما هو حال محكمة الجنايات الدولية التي أصدرت مذكرة اعتقال بحق الرئيس عمر البشير، وكذلك محاولة تأليب الجنوب السوداني للانفصال عن الوطن الأم، أحد أبرز وجوه حقيقة التحرك الغربي والتدخل في الشؤون الداخلية، ليؤكد كل ذلك أن كل القرارات الصادرة ضد السودان هي قرارات سياسية.

إن نفي ممثل الإدارة الأميركية سكوت جريشن تهمة رعاية الإرهاب عن السودان هو ثمرة الجهود الكبيرة التي تقوم بها الحكومة السودانية الممثلة بالشمال والجنوب في خدمة القضايا الوطنية السودانية والعمل على نشر مظلة الاستقرار والأمان وتحسين الأوضاع الإنسانية في دارفور.

وتبديد أي أجواء توتر كما هو الحال أمام قضية أبيي، حيث أعلنت حكومتا الشمال والجنوب قبولهما واحترامهما الحكم الصادر من محكمة العدل الدولية حول تبعية منطقة أبيي. كما يحسب الأمر للدور العربي والإفريقي في مساعدة السودان على تدعيم الموقف السوداني من مختلف الملفات التي فتحت ضده ومساعدته على التغلب على تحقيق السلام في دارفور، ورفض التعامل مع محكمة الجنايات الدولية.

تصريحات الموفد الخاص لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى السودان مشجعة، ونتمنى أن تكون بداية حقيقية لتغيير السياسة الأميركية تجاه السودان، تساعد الخرطوم على تحقيق التنمية وإحلال السلام والاستقرار في جميع ربوعه.. فشهد شاهد من أهلها.