المكان: بيت السفير المصري في هرتسليا.. الزمان: الخميس 23 يوليو/ تموز ,2009. المناسبة: احتفال السفارة المصرية بذكرى ثورة 23 يوليو 1952.
الحدث: رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يعلن خلال الاحتفال «أعتقد أنه يمكننا أن نحصل على سلام حار جدا»، ويمتدح «الخطوات التطبيعية العربية»، ويكرر ما اعتبره «محط إجماع إسرائيلي بشأن أسس السلام»، التي وردت في خطابه في جامعة بار إيلان، وخاصة «الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية والدولة القومية للشعب اليهودي، وإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين خارج وطنهم، ودولة فلسطينية منزوعة السلاح (وهمية)»..!!.
فحينما يعلن نتانياهو كل ذلك من بيت السفير المصري، فإن الوقاحة والاستخفاف الإسرائيليين بالعرب، يكونان قد بلغا سقفا جديدا لم نشهده من قبل، بينما التزم السفير المصري الصمت ولم يرد كما يجب.. محتفظا ببرودة أعصابه ومسلكه الدبلوماسي.
فلو كان نتانياهو قد صرح بما صرح به من أي منبر إسرائيلي آخر لاعتبرنا ذلك امرأ طبيعيا، أما أن يعلن ما أعلنه من لاءات واشتراطات تطبيعية وأمنية وسياسية من بيت السفير المصري وفي احتفالية ثورة يوليو، التي قامت في الأساس ردا على العدوان الإسرائيلي، واحتجاجا على الدور العربي في ضياع فلسطين، ومناهضة المشروع الصهيوني والدولة الصهيونية الناشئة على أنقاض فلسطين، فان ذلك يؤكد مدى استهتار القادة الصهاينة ونظرتهم للأحوال العربية على أنها قد بلغت من الهوان مستوى لا يصدق..!.
تصوروا أيضا.. نتنياهو يعلن أنه يريد سلاما وتطبيعا حارا جدا مع العرب، أي أنه يريد قبولا ورضوخا عربيا كاملا لشروطه، في الوقت الذي يشن فيه حروبا ساخنة جدا على فلسطين والفلسطينيين ومدينة القدس المقدسة!!.
وليس ذلك فحسب، فتحت عنوان «يسخنون السلام» نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية (الجمعة 24/7/ 2009) خبرا ادعت فيه «أن الرئيس بيريز حظي أيضا بالثناء من السفير المصري، ياسر رضا على تفانيه في المسيرة السياسية»، فأي تفان هذا الذي يمكن أن يوصف به عجوز السياسة الإسرائيلية بيريز، صاحب التاريخ الإرهابي الطويل والمعروف؟!
والمفارقة الكبيرة هنا أن كل ذلك يأتي وكأن كل الأمور الفلسطينية على أفضل ما يرام، وكأنه ليس هناك احتلال أو استيطان أو اجتياحات أو جدران أو تهويد هستيري لكل شيء عربي..
ففي فلسطين المحتلة 48 تتواصل القرارات والإجراءات البرلمانية والحكومية، الرامية إلى تهويد المكان العربي الفلسطيني بكامل مساحته، وتهويد الزمان العربي بما يحمله من مضامين تاريخية وحضارية ودينية وتراثية وثقافية، إلى أن وصلت الأمور هناك إلى حد سن قانون يمنع أهل فلسطين والنكبة، من دراسة النكبة في المناهج التعليمية، وحتى من إحيائها في إطار أي فعالية مؤسسية جماعية...!.
وما يجري على أرض المدينة المقدسة، يشرح لنا الاستراتيجية الصهيونية تجاه مدينة العرب والمسلمين والمسيحيين على حد سواء، فالاحتلال يعمل على اختطاف القدس وتطويبها للسيادة الإسرائيلية إلى الأبد، بل يعمل على إلباس كل مخططاته وإجراءاته وحملاته التهويدية زيا دينيا توراتيا..!.
فإسرائيل تعمل على اختراع قدس يهودية، عبر سياسات التطهير العرقي وتزييف التاريخ والوجود! وفي أنحاء الضفة الغربية لا يتوقف جيش الاحتلال عمليا عن اجتياحاته واغتيالاته واعتقالاته، وعن تحويل حياة الناس إلى جحيم لا يطاق، بينما لا يتوقف المستعمرون الصهاينة عن عربدتهم وفلتانهم وجرائمهم، ضد الناس والأرض والشجر.. وتحت رعاية نتانياهو!
إلى ذلك، كلهم يجمعون على رفض المطالب الأميركية والأوروبية والعربية بتجميد الاستيطان فقط..، ويصرون على مواصلة مشروع الاستيطان والتهويد، بل وأخذوا ينتقلون مؤخرا إلى مرحلة جديدة أشد خطرا، إذ بدأوا يلبسون إجراءاتهم التهويدية زيا توراتيا، مثلما ألبس الحاخام الأكبر في إسرائيل شلومو عمار كل هذه السياسات التهويدية التزييفية للمدينة المقدسة زيا دينيا توراتيا، حينما قال في رسالة نشرتها صحيفة «جيروزاليم بوست»: «إن الولايات المتحدة تخالف تعاليم التوراة بمطالبتها إسرائيل بتجميد الاستيطان» في الضفة الغربية المحتلة.
وكتب الحاخام في رسالة موجهة إلى مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى أن «التوراة تطلب من الشعب اليهودي العيش في إسرائيل، بينما تمارس الولايات المتحدة ضغوطا لمنع اليهود من أن يعيشوا ويبنوا منازلهم في أجزاء كبيرة من أرض إسرائيل بحدودها التوراتية».
يقول البروفيسور بن تسيون نتانياهو، والد نتانياهو، في حديث للقناة السابعة الإسرائيلية إن ابنه «يضحك على العرب»، وأنه «لن يعطي الفلسطينيين دولة، وهو يطرح عليهم شروطا لا يمكن أن يقبلوها.. نتانياهو لا يدعم دولة فلسطينية، فهو أخبرني خلال أحاديث عائليّة بأنه يكذب على العرب، حيث وضع أمام هذه الدولة شروطا تعجيزية لن يقبل العرب مطلقا بأي شرط منها».
فليس من قبيل المصادفة أو العفوية إذن، أن تتمادى إسرائيل في عدوانها وأن يتمادى نتانياهو بشروطه واشتراطاته الاستخفافية التحقيرية للعرب، من قلب بيت السفير المصري في هرتسليا، وخلال الاحتفال بثورة يوليو، وكأنه يقول لجمال عبد الناصر: ها نحن اليوم يا جمال نقهرك ونقهر ثورتك من قلب سفارتكم هاهنا في هرتسليا.. ها نحن يا جمال نشهد عهدا عربيا جديدا ينتقل فيه العرب من قمة «اللاءات الثلاث ـ الرافضة ـ في الخرطوم»، إلى قمة «النعمات الثلاث» في أكثر من عاصمة وأكثر من قمة عربية.. وغيرها من الندوات والمؤتمرات وصولا مؤتمر آنابوليس وما بعده..! لذلك، ليس مستغربا في هذه الحالة العربية وبهذه النظرة الاستعلائية الصهيونية، أن تواصل تلك الدولة العدوانية عدوانها على العرب واستخفافها بهم واحتقارها لهم ولكافة القرارات والشرعيات، طالما أن العرب قرروا من جانب واحد «أن لا خيار أمامهم سوى خيار السلام الاستراتيجي»، وطالما أنهم اسقطوا كل الخيارات الأخرى في الضغط على الإدارتين الأميركية والإسرائيلية.
فلماذا إذن لا تواصل إسرائيل هجومها المفتوح على الفلسطينيين والعرب، طالما أن ذلك لا يحرك العرب، ليس هجوما، وإنما على أقل تقدير إلى الرد والردع، ولو سياسيا ودبلوماسيا، دفاعا عن النفس والبقاء؟!
كاتب فلسطيني
