من يتحمل المسؤولية عندما تنضب موارد صناديق المنح الدراسيّة؟ فمع حلول السنة الجامعية الجديدة بعد أسابيع قليلة، لن يكون بمقدور الكثير من الطلاب ارتياد الجامعات التي يطمحون إليها لعجزهم عن تحمل نفقاتها، أو نتيجة خفض أو إلغاء المنح الدراسية التي كانوا يتطلعون إليها. فهل بلغت الأزمة الاقتصادية العالميّة حداً باتت معه تهدد باستنزاف الرصيد المعرفي لمستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة؟.

لماذا يتم خفض مخصصات المنح الدراسية للطلاب الإماراتيين تدريجياً، فيما يزداد عدد خريجي المدارس الثانوية عاماً بعد عام؟.

مع أن 60% من العدد الإجمالي للمواطنين هم دون سن الخامسة والعشرين، إلا أن تمويل البعثات الدراسيّة إلى الخارج يقتصر على نخبة قليلة فقط، بينما تأتي المنح الدراسية في الجامعات الخاصة داخل الدولة مكبلة بالقيود والتكلفة الباهظة.

كيف يعقل أن يدرس المرء ماجستير إدارة الأعمال في جامعة هارفارد لقاء مبلغ لا يتجاوز 100 ألف دولار أميركي، بينما قد ينفق أكثر من 500 ألف درهم إماراتي للالتحاق بإحدى المبادرات التعليميّة القياديّة، المرتبطة بإحدى كليات الاقتصاد المرموقة داخل الدولة، مثل «إنسياد» أو «ديوك»؟.

ومع أننا نعيش حياة رغيدة نسبياً في دولة الإمارات العربية المتحدة، إلا أنّ الكثيرين لا يستطيعون النهوض بأعباء التعليم الخاص، لاسيما عندما تتجاوز تكلفة الحصول على شهادة رفيعة من إحدى كليات الاقتصاد المعروفة في العالم.

لا شك في أن أعداداً متزايدة من الشركات مطالبة الآن، وأكثر من أي وقت مضى، بتوفير المزيد من فرص العمل للمواطنين ودعم تشكيل قوة عمل وطنية فاعلة؛ ولكن كيف ستتمكن هذه الشركات من اختيار أفضل الكفاءات المواطنة، ما لم تكن الفرصة متاحة أساساً لتأهيل هذه الكوادر في اختصاصات من اختيارها؟.

وعلى الرغم من تخصيص حكومة الإمارات العربية المتحدة دعماً مالياً هائلاً للمدارس ومؤسسات التعليم العالي في القطاع الحكومي، يقدر بحوالي 7,9 مليارات درهم إماراتي، إلا أن غياب النظرة الشمولية للنظام التعليمي بأكمله، وتغيير المسار في منتصف الطريق، أثارا استغراب ودهشة المعلمين والأهالي والطلاب على حد سواء. ففي حين يحظى الطلاب الميسورون بمقعد مضمون في إحدى الجامعات المعتمدة لدى الدولة، والتي يربو عددها على 60 جامعة، يلجأ الطلاب الأقل حظاً إلى كليات التقنية العليا، التي توفر بعضاً من أفضل المزايا التعليمية المتاحة في العالم، رغم محدودية المجالات التخصصية لديها.

وباعتبارها كبرى مؤسسات التعليم العالي الحكومية التي توفر خدماتها لكلا الجنسين، تشهد كليات التقنية العليا إقبالاً سنوياً متزايداً على التسجيل، لاسيما خلال العام الحالي الذي كان عصيباً على إدارتها، في ظل الزيادة غير المسبوقة لأعداد الطلاب المسجلين، الأمر الذي ينبئ باكتظاظ القاعات الدراسية إلى حد يفوق المعقول.

ولكن، ماذا لو أبليت حسناً في دراستك ولم يكن بمقدورك تحمل نفقات التسجيل في إحدى الجامعات الخاصة، مع أنك ترغب في دراسة اختصاص معين؟ فهل يمكنك الحصول على منحة دراسيّة؟ الجواب هو نعم. قد تستطيع الحصول على منحة من القطاع الخاص أو الحكومي المحلي أو العام، أو حتى من التبرعات الفردية، ولكنها ستكون في أغلب الحالات منحة مشروطة باتفاق محدد كالعمل لدى الجهة الممولة، حتى وإن كان مجال عملها مختلفاً عن تخصصك الدراسي.

تتنوّع المنح الدراسيّة التي يمولها القطاعان العام والخاص إلى حد كبير، وقد دفعت الأزمة الاقتصاديّة الرّاهنة بعض هذه المنح بعيداً عن مسارها الأصلي الذي كان يتيح للطلاب الجامعيين والخريجين الحصول على شهادات من أبرز الجامعات العالميّة، ويسمح لمواطني دولة الإمارات العربية المتحدة بتوسيع خبراتهم في الأسواق العالميّة. وقد أدى خفض مخصصات هذه المنح الدراسية إلى تقليص عددها، وتوجيه الطلاب للدراسة داخل الدولة في إحدى الجامعات المرموقة التي لا تزال بحاجة لإثبات مصداقيتها في المنطقة، بدلاً من إعطائهم الفرصة للدراسة في الخارج.

بعد أن حصلت على شهادتي الجامعيّة من كليات التقنية العليا، حيث تلقيت التعليم على يد خيرة الأساتذة في إطار نموذج تعليمي متميز منحني إحساساً عالياً من الثقة بالنفس عند تخرجي؛ آثرت الانضمام إلى شركة متعددة الجنسيّات بدل العمل في القطاع الحكومي الذي يغلب عليه الروتين. بعد ذلك، أمضيت عامين في دراسة ماجستير إدارة الأعمال في «لندن بزنس سكول»؛ وهو ما جعلني أشعر بأنني مؤهلة لتناول الموضوع التعليمي من كلا الجانبين كوني خبرت التعليم الحكومي والخاص.

عند المقارنة بين الاستثمار في التعليم وأي مجال آخر، لا ينبغي النظر إلى عائدات الاستثمار على التعليم من حيث قيمتها الآنية، بل إلى مردودها على المدى الطويل. وقد كان توفير التعليم العالي لأبناء الإمارات، على مدى السنوات القليلة الماضية، محط اهتمام كبير من قبل الدولة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي؛ خاصة وأننا بلغنا من النمو والتنوع والاندماج بالأسواق الأخرى حداً باتت معه الحاجة إلى اقتصاد قائم على الكفاءات المهنية مطلباً ملحّاً.

وبالتالي، فإن إعطاء الطلاب فرصاً أكثر واقعية للحصول على منح دراسيّة ترتكز على اهتماماتهم وتضمن تطوير مهاراتهم بالشكل الأمثل يعد أحد العوامل الرئيسيّة للانتعاش ونمونا المستقبلي.

كاتبة إماراتية

amina@ZABEELINVESTMENTS.COM