إذا أردت أن تقف على تشخيص علمي صريح ودقيق لحالة التخلف السياسي للوطن العربي، فاقرأ أحدث نسخة من «تقرير التنمية الإنسانية العربية»، الذي يتولى تأليفه فريق نخبوي متميز من أفضل الأكاديميين العرب وفي مقدمتهم نادر فرجاني مدير «مركز المشكاة للبحث والتدريب» ؟في القاهرة.
ومع الأخذ في الاعتبار أن هذا التقرير يتكون من فصول تشمل محاور اقتصادية واجتماعية وثقافية، بما يعكس صورة بانورامية ناطقة للأحوال المزرية والمزمنة السائدة في أنحاء العالم العربي، فإن قضية الديمقراطية، أو بالأحرى الديمقراطية الزائفة، تشكل المحور الأساسي في الجانب السياسي للتقرير.
وبعد أن تفرغ من قراءة الاستخلاصات التي توصل إليها التقرير في المجال السياسي، فإنك لن تملك إلا أن تتساءل: هل هي محنة أنظمة حكم أم محنة شعوب؟.
ابتداء يسجل التقرير صورة الواقع الاستبدادي الذي يعم الوضع السياسي العربي، لكنه لا يعفي جماعات وأحزاب المعارضة فهي في أغلبيتها (جثث هامدة). ومن ثم يعرض التقرير الوسائل المتنوعة التي تستخدمها غالبية الأنظمة الحاكمة. وفي مقدمة هذه الوسائل الشبكات الاستخباراتية الداخلية. ومن بينها أيضا تنظيم عمليات انتخابية مزورة على أوسع نطاق. غير أن العامل الذي يساعد الشرائح الحاكمة أكثر من غيره؟، ؟يتمثل في انشقاق صفوف المعارضة.
المعارضة في عدد من الدول العربية تنقسم إلى قسمين رئيسيين: أحزاب علمانية، وجماعات دينية إسلامية. وبالرغم من أن أنظمة السلطة تستهدف كلا النوعين بوسائل القمع أو الإغراء المختلفة، فإن قيادات هذه الكتل السياسية ترفض التوحد في جبهة عريضة. وبطبيعة الحال فإن السلطة لا تدخر وسعا في استغلال هذا الشقاق وتعميقه وتوسيع نطاقه.
هناك بالطبع أسباب موضوعية للاختلاف في التوجه الأساسي بين العلمانيين والإسلاميين، لكن هناك أيضا حدا أدنى من نقاط الالتقاء المفترضة لتحقيق أهداف تكتيكية، وفي مقدمتها بطبيعة الحال السعي لإحلال حرية التعبير التي يستفيد منها الجميع. والسؤال الكبير الذي يطرح، والذي لا نجد إجابة كافية عنه، هو: إلى متى يبقى الحال العربي السياسي كما هو عليه؟ أيا تكن الإجابة عن هذا السؤال المصيري، فإن أي تغيير إيجابي رهين بتطور مستوى الوعي السياسي بين شعوب الأمة العربية.
ومما يدعو إلى شيء من التفاؤل أن هناك بوادر تشير في اتجاه تنامي الوعي الشعبي، بسبب التأثير المتعاظم لثورة الاتصالات وفي مقدمتها ظاهرة الفضائيات. فالمواطن العربي اليوم يشهد ويسمع على مدار الساعة أحداث وبؤر تغيير تتواصل في أنحاء العالم المختلفة، مما يدعو، إلى التأمل والتفكر. ومن ثم التطلع إلى ما هو أفضل.