تصريحات نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن خلال زيارته إلى العاصمة الجورجية تبليسي، والتي أعلن فيها أن تحسين العلاقات بين واشنطن وموسكو لن يكون على حساب وحدة أراضي جورجيا، وتأكيده على أن بلاده لن تعترف باستقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وتدعو موسكو إلى احترام قرار واشنطن وسحب قواتها من الأراضي الجورجية.
لم تكن السبب وراء ردود فعل موسكو العنيفة، ولم تستفز القيادة الروسية كما استفزتها تصريحاته في البرلمان الجورجي، والتي أكد فيها أن الولايات المتحدة تعمل على تعزيز قدرة الجيش الجورجي، وجدد دعم بلاده لانضمام جورجيا إلى حلف الناتو.
وقد كانت ردود الفعل الروسية حادة بشكل تدريجي، حيث اختتمها ديمتري راجوزين ممثل روسيا الدائم لدى حلف الناتو، بإطلاق تهديد بفرض عقوبات على الشركات الأميركية التي ستقوم بتزويد القوات الجورجية بالأسلحة والمعدات العسكرية.
ولابد من التعامل مع زيارات بايدن إلى جورجيا وأوكرانيا وتصريحاته، كتعبير عن التوازن داخل البيت الأبيض الأميركي، حيث ما زال الاتجاه الجمهوري المتشدد متواجدا داخل الحكومة الأميركية والبيت الأبيض، ويرفض التراجع عن برنامج جورج بوش باعتباره السبيل الأمثل للخروج من الأزمة المالية، عبر زيادة حجم الإنتاج والتسويق للمعدات العسكرية، وهو أيضا أداة لفرض النفوذ الأميركي على منابع الطاقة في العالم.
والتوازن المقصود به هو خطوات التفاهم التي قطعها أوباما مع روسيا على تواضعها، إذ كان لا بد للإدارة الأميركية أن تلوح بعصا غليظة للقيادة الروسية، بهدف إيصال رسالة للكرملين بأن واشنطن ليست مستعدة لقبول سياسات موسكو في المنطقة، وعلى القيادة الروسية إعادة النظر في العديد من إجراءاتها والبحث عن تسوية ترضي الطرف الأميركي.
وقد حرص نائب الرئيس الأميركي على زيارة كل من أوكرانيا وجورجيا، وتجديد تمسك واشنطن بدعم قيادتي البلدين المعارضتين لسياسات موسكو في مناطق الفراغ السوفييتي السابق، مؤكدا على أن الولايات المتحدة لا تعترف بوجود أية مناطق نفوذ لدول كبرى، وعلى أنه لا يحق لأي أحد أن يفرض إرادته على دول أخرى في ما يخص اختيار الأحلاف التي ترغب هذه الدول في الانضمام إليها. ويبدو من هذه اللهجة الحادة، أنها محاولة لاستعادة بعض المكاسب التي حصلت عليها موسكو من زيارة أوباما، ولعل أهمها هو التعامل مع ملف الدرع الصاروخية كجزء من ملف الأسلحة الاستراتيجية.
ويمكن القول إن التباين في المواقف داخل الإدارة الأميركية أصبح واضح المعالم، وبالرغم من أنه لا يعبر عن خلافات جوهرية، إلا أن اختلاف الأساليب، والذي نلمسه في برنامج أوباما، بات أمرا حيويا لصيانة أمن واستقرار المجتمع الدولي.
ولا شك أن الملف الجورجي أكثر سخونة من ملف أوكرانيا، بعد أن غادرت بعثة المراقبين العسكريين التابعة للأمم المتحدة أبخازيا، والتي كانت تضم 120 مراقبا عسكريا. وأعقبها رفض أبخازيا لتواجد القوات الأميركية ضمن بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة منطقتي النزاع، باعتبار أن خطة «ميدفيديف ـ ساركوزي» لتسوية النزاع في المنطقة لا تنص ذلك.
ما يعنى أن روسيا قد فرضت نفوذها العسكري والسياسي على هذه المنطقة، ولم يعد ممكنا الحديث عن إزاحتها، بل وأصبح من الصعب بحث ملف انضمام جورجيا لحلف الناتو، وفق أنظمة ولوائح الحلف، حيث يرفض حلف شمال الأطلسي منح عضويته لدول تشهد اضطرابات داخلية أو تتواجد على أراضيها قوات أجنبية، وهو ما يؤدي لتعقيد وضع جورجيا في هذا السياق، إضافة لضعف قدراتها العسكرية، والتي أخذت واشنطن على عاتقها مهمة تطويرها وتسليح الجيش الجورجي، حتى يصل إلى المستوى الذي يستجيب لمتطلبات الحلف، ومساهمته في تعزيز القوة العسكرية للناتو.
هذا الوضع يدفع إلى الحديث مجددا عن أن سياسات القوة التي تبنتها واشنطن في السابق، والتي لم تحقق آية نتائج ايجابية، لن تحقق اليوم أي تقدم لصالح المجتمع الدولي، وعلى أدارة أوباما أن تبحث عن سبل للتفاهم، بدلا من إشعال بؤر التوتر وتفجير الخلافات بين الدول المتجاورة.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني