كانت الحملة التي قادها فاروق القدومي، أكبر الأعضاء المؤسسين في حركة فتح سنا، ضد القيادة الفلسطينية، أحد إفرازات الصراع داخل فتح المحتدم منذ سنوات، على هامش انعقاد المؤتمر السادس للحركة التي فقدت بوصلتها منذ حوالي عشرين سنة، ولم تجدد أطرها المترهلة وغاب كثير من قادتها أبرزهم ياسر عرفات.

لم يكن «أبو اللطف» على وفاق مع عرفات، بل ظلت العلاقة بينهما علاقة جذب واضطراب، وشن القدومي حملات إعلامية شديدة على عرفات، مثله مثل غيره ممن ملوا السيطرة الشاملة لعرفات على كل شيء، سواء في السلطة أو في فتح أو منظمة التحرير.

وحتى الذين هاجمهم أبو اللطف حاليا قالوا في عرفات كلاما كثيرا وعبروا عن رغبة علنية في التخلص منه، ولعل المراقب للسجال الإعلامي الذي صاحب إعلان أبو اللطف عن وثيقة موجودة على الانترنت منذ عام 2003، يكتشف أن طرفي السجال لم يكونا على وفاق مع عرفات في المرحلة الأخيرة من حياته، وبعضهم يكرر في الرئيس الفلسطيني محمود عباس ما سبق وقاله عن عرفات.

فالسجال ليس بين أناس طيبين، أو قل ذوي نوايا حسنة، فهو صراع على السلطة وبالتحديد سلطة فتح، وبعد سنوات من اجتماعات ماراثونية في عمان للجنة التحضيرية للمؤتمر السادس، وصرف ما لا يقل عن ثلاثة ملايين دولار على اجتماعاتها وفنادقها وسفر أعضائها، تفاقمت الخلافات حول مكان وزمان انعقاد المؤتمر. فأعضاء اللجنة المركزية في الخارج يريدونه في الخارج، والرئيس الفلسطيني يريده في الداخل.

وهو سمع كلاما مغلفا برفض استضافة المؤتمر في الخارج من مصر والأردن، لأن المكان الطبيعي لعقد مؤتمر فتح هو أرضها، أي الضفة الغربية.. وكان الكثير من أعضاء مركزية فتح فقدوا الأمل في إعادة انتخابهم للجنة المركزية، رغم جهود البعض لترتيب وضع يضمن فوز عدد من القادة المؤسسين وبينهم القدومي، لكن الأعضاء الآخرين انهمكوا في ضمان نجاحهم عن طريق حشد أنصارهم ومعارفهم في عضوية المؤتمر، وظلت قوائم أسماء أعضاء المؤتمر تتغير وفقا لأمزجة بعض أعضاء اللجنة التحضيرية، ووصل الأمر بهم إلى اقتراح حظر مشاركة الأسرى في الترشح لعضوية اللجنة المركزية، في خطوة لحرمان قادة فتح في السجون من الترشح، وأبرزهم مروان البرغوثي. وتم تسريب أنباء للتغطية على ذلك، بأن ثمة جهودا لإيجاد طريقة لضمان فوز البرغوثي.

وهذا عمليا سبب إضافي قوي لانفلات المؤتمر، في حالة عقده في ظل أجواء حشد محمومة لأعضاء غير مؤهلين للعضوية، وشطب آخرين مؤهلين وعدم إدخال عناصر جديدة تتميز بالكفاءة والجرأة، وهذا كله يصب في مصلحة بعض أعضاء اللجنة المركزية، أو الطامحين للفوز بعضويتها الذين يحاولون التجديد لأنفسهم وتنجيح من يرونه مناسبا.

ولهذا ظلت قوائم أعضاء المؤتمر سرية ولم تنشر بالكامل، في تكتيك خبيث لمنع الطعن فيها أو لمنح الأعضاء المهيمنين فرصة لحشد المزيد من أنصارهم! فهناك مثلا من ادخل أسماء 22 موظفا في مكتبه في عضوية المؤتمر، وهناك من نسّب كل أقاربه، وهي كلها خطوات لا تخدم تيار التجديد في فتح، وقد تؤدي إلى انشقاقات على مستوى القاعدة وبين النخب العسكرية المجربة والمثقفة، ما يعني أن المؤتمر سيؤدي إلى إضعاف الحركة، وليس انتشالها من حالة الترهل والتفكك السائدة والتي أدت إلى صعود منظم لحركة حماس.

وليست «مزاجية» أعضاء اللجنة التحضيرية في انتقاء أعضاء المؤتمر أو تصريحات القدومي فقط، ما يهدد المؤتمر السادس، بل هناك موضوع أعضاء المؤتمر في غزة الذين تعرقل حركة حماس السماح لهم بالخروج عن طريق إسرائيل أو مصر للمشاركة في المؤتمر، وهم أكثر من ثلاثمائة عضو في غزة يمكن لغيابهم أن يلغي المؤتمر من أساسه. وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس أشار في وقت سابق إلى أنه في حالة منع إسرائيل لأعضاء المؤتمر في غزة من المشاركة، فإن المؤتمر لن يعقد.

لكن الجديد هو عدم رغبة حماس في السماح لهم بالمشاركة، وقد ربطت مشاركة هؤلاء بالإفراج عن معتقلي الحركة في الضفة، ما يعني أن حماس لن تسمح لهم بالوصول إلى الضفة. وحتى لو سمحت حركة حماس لهم بالخروج، فإن إسرائيل قد تحظر سفرهم حتى لو غادروا عن طريق مصر، لأن دخولهم سيكون عبر الأردن.

وقد اتصل صائب عريقات بعوزي آراد مستشار بنيامين نتانياهو لبحث مسألة السماح لأعضاء غزة بالوصول إلى الضفة، فرفض آراد بحث الأمر وأعلن أن السلطة تتصل به لاستئناف المفاوضات وهو ما نفاه عريقات.

إذاً ثمة عوامل داخلية في فتح وخارجية تتعلق بحماس وإسرائيل، قد تمنع المؤتمر السادس لفتح من الانعقاد، وفي حالة انعقاده فإن الصراعات الداخلية بين ما يسمى حارات فتح والأبوات، قد تؤدي إلى تفجير المؤتمر وربما انشقاقات، وهذا يعني أن المؤتمر الذي كان ينظر إليه كحبل نجاه للحركة لإعادة توحيد صفوفها، يتخذ مسارا نحو إضعاف الحركة وتكريس انقسامها الداخلي.

وبالتالي تبدو قيامة فتح بعيدة المنال، لأن أمورها تدار سبهللة لتحقيق مكاسب شخصية ومناطقية، ولهذا يقال بسخرية إن فتح يجب أن تستعد لعقد المؤتمر السابع بعد فشلها في السادس.

كاتب فلسطيني

hafezbargo@hotmail.com