لا يكاد يمضي يوم لا نقرأ فيه عن عشرات القتلى في المدن العراقية رغم التحصينات الأمنية التي تفرضها قوات الأمن العراقية . حتى لم يعد من هم لمختلف وكالات الأنباء العالمية إلا حصر عدد القتلى ، وكأن الموت المجاني صار طقسا يوميا من طقوس أرض الرافدين التي عرفت أقدم حضارة عرفتها البشرية .
وأشارت إحصائيات نشرت أمس أن عدد القتلى بلغ خلال يوليو المنصرم 275 قتيلا بينهم 52 عسكريا فقط ، وهو رقم كبيرا خاصة وأن أغلبهم من المدنيين الذين يقتلون بين أبنائهم وأهاليهم أو وهم يصلون كما حدث ذلك أمس الأول ، وربما كان أكثرهم غير منتمين أو غير معنيين بالانتماءات المذهبية والحزبية .
قبل سنوات عندما سقطت بغداد رفع آلاف العراقيين أعلامهم فرحا بانقضاء فترة صعبة في التاريخ العراقي وكان لسان حالهم يقول " سنبدأ صفحة جديدة في مسيرتنا الحضارية " إلا أن الذي سجله العالم خلال الفترة اللاحقة كان عكس ذلك . ومع اعتبار الكثير من الانعكاسات النفسية التي عانى منها الشعب العراقي إلا أن السنوات الست اللاحقة كانت كفيلة بأن تهدئ الوضع في العراق وتعرف مختلف الطوائف العراقية مصلحتها ، لكن شيئا من ذلك لم يحدث .
وإذا كان الحال لم يتغير خلال السنوات التي تلت سقوط بغداد بين القوات الأمريكية وحلفائها ، فإن على العراقيين أن يثبتوا لقوات الاحتلال وهي في طريقها للخروج من العراق أنهم قادرون على إدارة شؤونهم وأن الشعب العراقي كان وسيظل لحمة واحدة بعيدا عن التصنيفات المذهبية أو ما شاكلها .
وقد استطاع العراق قبل سنتين أن يتخطى حربا أهلية كانت قاب قوسين أو أدنى من الوقوع ، إلا أن الأمر لم ينته وظل العراق يعيش على صفيح ساخن وكأن كثيرين من الجيل الحالي غير معنيين إلا بتصفية حسابات قديمة سيتجاوزهم التاريخ فيما إذا بقوا يقلبون صفحاتها القديمة .
ويبدو أن على العراقيين أن ينتظروا انقراض الجيل الحالي المحمل بالأحقاد الطائفية ، والحزبية المتراكمة عبر عدة أجيال حتى يخرج من قمقم الفتنة التي جربتها الكثير من الأمم قبلهم ولم تفض إلا إلى مزيد من الخراب والدمار ، والتأخر في مسيرة الركب الحضاري .
على العراقيين الذين يعملون من اجل العراق ومن أجل الحفاظ على مسيرته التاريخية أن يرتفعوا فوق مصالحهم الشخصية والحزبية والمذهبية لمواصلة مسيرة أقدم حضارة عرفتها البشرية .
