ردعُ الجريمة يحتاج إلى تضافر الجهود بين السلطات الأمنية، والمواطنين، وكل من له علاقة بسلامة وطنه، والمعروف أن نمو الجريمة أياً كان مستواها، يأتي من عوامل الفقر، أولاً وأخيراً، ثم الجهل والظلم الاجتماعي، وتفاوت الدخول ، والتوزيع غير العادل للثروة، وغيرها..

مجتمعنا بفقره كان أكثر أمناً وسلامة، بعد الطفرات المادية، وتكاثر الجنسيات الأجنبية وتداخل الثقافات والمعارف مع مختلف التيارات العالمية، ومن هنا تأتي النظرة للانحرافات السلوكية والسرقة، والرشوة وغيرها أنها مظاهر حديثة ومسيئة لسمعة أي بلد وأجهزته الشرعية والأمنية والتربوية..

في خبر نشر في أكثر من صحيفة من صحفنا أن (١٠١٧) سيارة سرقت خلال شهر في مدينة الرياض وحدها، ولو دخلنا عالم سرقات المنازل، والأسواق، وخطف الحقائب، أو السطو بالطرق المختلفة، ونظرنا بحسابات دقيقة أن أحد عشر حياً من أحياء العاصمة يقوم على حراستها ومعالجة قضاياها الأمنية تسعون شخصاً ما بين جندي وضابط، وقائد، فإن هذا العدد من المستحيل أن يحرس أو يؤدي وظيفته لحي واحد مكتظ بالسكان من كل الجنسيات، وهذا الخلل لا أدري لمن أعزوه هل لشعور المواطن أن كل شيء تتحمله الدولة.

وأن الإبلاغ عن مشكوكٍ بحركاته ، أو مشاهدة واقعة سرقة أو اعتداء يبلغ عنها، يقابلهما فتح تحقيقات ليكون هو الجاني بدلاً عن الآخر، وهو ما سبّب قطع صلة التعاون بين المسؤول الأمني والمواطن؟ أم أن سياسة التوظيف والاعتمادات الضائعة بين وزارة المالية ووزارة الخدمة المدنية والشؤون العسكرية والأمنية سبب مباشر بحيث أصبح اتساع المدينة وتعقيدات جغرافيتها الطبيعية والسكانية لا تتلازم معهما حالة تأمين الأعداد الكافية من الجنود والضباط، وحتى من يُفترض توظيفهم للمساعدة في ردع الجريمة، سواء جاءت منظمة، أو عبثية من أحداث صغار يحاكون الصور والسلوكيات التي يشاهدونها في الأفلام ومحطات الفضاء ومواقع الإنترنت وغيرها؟

ومثلما نجحت أجهزة الأمن، وبكفاءة عالية، شهدت لها دول عالمية في ردع المنظمات الإرهابية ودهاليزها الخفية، وأوكارها، ومصادر تمويلها، فإن ظاهرة سرقة الرقم الكبير من السيارات في العاصمة وما حولها، أمر يحتاج إلى مراجعات دقيقة، وقد يكون السبب تضارب السلطات بين أجهزة الأمن لتسود روح الاتكالية، مضافاً إليها العجز في الأفراد..

لسنا وطناً تستثنيه الجريمة، لأن أوروبا ودولاً أخرى تملك أجهزة وكفاءات عالية، تعلن في شهر الإجازات "أغسطس" حالة الطوارئ إذ تكثر السرقات بكل أنواعها وخاصة المدن التي يهجرها سكانها للشواطئ والجبال، أو السياحة الخارجية، والرياض الآن أصبحت مركز جذب للسياحة باعتبارها تملك مغريات الأسواق وألعاب الأطفال ومهرجانات الصيف، بمعنى أنها لا تشهد حالة المدن الغربية، وبالتالي فإن تزايد عملية السرقات يجب أن يعيد سيرة الجهاز المركزي المتصرف بهذه الحالات إذ عندما كانت الشرطة هي المراقب والمعاقب كانت الحالة الإجرائية أكثر قوة وأسرع في كشف الواقعة، وربما أن الموضوع يفترض إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وضرورة توفير متعاونين من كل أبناء الشعب ليكونوا في خدمة أهم جهاز يحرسنا ويؤمن لنا السلامة الدائمة..