تدور منذ فترة تكهنات عدة حول نية إسرائيل توجيه ضربة عسكرية لمنشآت إيران النووية، باعتبار أن إسرائيل هي أكبر الخاسرين في حالة امتلاك إيران القدرة العسكرية النووية. والحقيقة أنه ليس هناك أدنى شك في أن مصلحة إسرائيل تصب في عدم امتلاك إيران القدرة العسكرية النووية، ولكن علينا عندما نتحدث عن ضربة عسكرية إسرائيلية لمنشآت إيران النووية، أن نضع نصب أعيننا مجموعة من الاعتبارات التي تجعلنا نتوصل إلى خلاصة مفادها أن إسرائيل لا تستطيع ضرب إيران عسكرياً في الوقت الحاضر، وفي ظل المعطيات الحالية على أقل تقدير. لذلك سنتطرق لهذه الاعتبارات في هذه المقالة.

أول الاعتبارات وأكثرها أهمية هو الموقف الأميركي، حيث إن إسرائيل لا يمكن أن تقدم على عمل عسكري بهذا الحجم، وهي تعلم بأن الولايات المتحدة غير راضية عنه. فالمعروف أن الرأي العام الإسرائيلي مهتم بشكل كبير جداً بعلاقة إسرائيل بالولايات المتحدة، حيث أن هذه العلاقة هي عامل مهم وحاسم في تحركات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، التي دائماً ما تجعل بقاء تحالفها مع الولايات المتحدة على قائمة الأولويات.

وكما هو معلوم فإن الإدارة الأميركية الحالية جاءت باستراتيجية مد يد الحوار مع إيران، من أجل وقف برنامجها النووي والامتثال للمطالب الدولية، مختلفة بذلك عن الإدارة الأميركية السابقة. وكما يبدو فإن إدارة أوباما ما زالت عند موقفها هذا، وليس في الأفق ما يشير إلى أن الإدارة ألأميركية الحالية ستغير من موقفها تجاه برنامج إيران النووي، نحو الاعتماد على أسلوب التهديد بالقوة العسكرية.

الإدارة الأميركية الحالية تدرك خطورة الوضع العسكري والسياسي والاقتصادي في حالة شن ضربة عسكرية على إيران، وهي ما زالت تضمد جروحها من حرب العراق، وما زالت تحارب من أجل البقاء في أفغانستان. كما أن الإدارة الأميركية تدرك خطورة إيران على مصالحها في المنطقة، لاسيما من خلال العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين، وربما منطقة الخليج أيضاً، حيث النفوذ والتواجد الإيراني متوغل بشكل علني وخفي.

هذه الاعتبارات هي ذاتها التي أوقفت الإدارة الأميركية السابقة التي تعتبر أكثر تشدداً وقرباً لإسرائيل، عن منح إسرائيل الضوء الأخضر لضرب المنشآت النووية الإيرانية. فلو كانت الولايات المتحدة مستعدة لمواجهة عسكرية مع إيران، لكانت قد سمحت إدارة الرئيس بوش لإسرائيل بتوجيه الضربة، ولكنها لم تفعل، مما يعني أن إدارة أوباما ستكون أكثر تحفظاً في ما يتعلق بالتحمس للمواجهة العسكرية مع إيران، مما يضعف فرص إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية لإيران.

ثاني الاعتبارات مرتبط بالاعتبار الأول، حيث إن إسرائيل تدرك حاجتها لتعاون الولايات المتحدة معها في حالة توجيه ضربة عسكرية لإيران. وهذه الحاجة للتعاون تأخذ منحيين، الأول مرتبط بالضربة العسكرية ذاتها، والثاني متعلق بتداعيات ما بعد الضربة. في ما يتعلق بالضربة العسكرية، تعلم إسرائيل جيدا أن قدرتها على توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، عملية ليست بالسهلة على الإطلاق، حيث أن المنشآت النووية الإيرانية منتشرة في أماكن مختلفة في إيران وغير متركزة في مكان واحد، كما كان عليه الحال في مفاعل العراق النووي الذي دمرته إسرائيل في عام 1981، وأن المسافة بين إسرائيل وإيران مسافة طويلة، حيث إن أقرب خط جوي مباشر بين إسرائيل ومنشأة ناتانز للتخصيب النووي في أصفهان، يصل إلى ما يزيد على 1600 كيلومتر، مما يحتم ضرورة وجود إمكانية للتزود بالوقود للطائرات الإسرائيلية.

ومما يزيد الأمر تعقيداً أنه ليس لإسرائيل حدود مشتركة مع إيران، مما يجعل إسرائيل غير قادرة على توجيه مثل هذه الضربة العسكرية، من دون حاجة لدخول المجال الجوي لدول أخرى. فالتحرك العسكري الإسرائيلي لا يمكن أن يتم إلا عبر اختراق لأجواء تركيا أو الأردن والسعودية أو سوريا والعراق أو الأردن والعراق.

والمعروف أن تركيا والسعودية وسوريا والأردن، لن تسمح لإسرائيل باستخدام مجالها الجوي، كما أن اختراق إسرائيل للمجال الجوي لتلك الدول بشكل سري يعد أمراً صعباً جداً، حيث إن المسافة التي تحتاجها الطائرات الإسرائيلية أثناء عبورها لأجواء مثل تلك الدول، هي مسافة شاسعة لا يمكن في ظل التقدم الكبير الذي تشهده الدفاعات الجوية لتلك الدول، أن يمر عليها بسهولة ومن دون علمها.

فليس أمام إسرائيل سوى العراق، ولكن الوصول إلى الأجواء العراقية يتطلب أيضاً المرور عبر أجواء دول أخرى كسوريا أو الأردن أو السعودية، التي لن تسمح لها بالطبع. كما أنه لا يوجد ما يشير إلى أن الولايات المتحدة ستسمح لسلاح الجو الإسرائيلي بعبور الأجواء العراقية لتوجيه ضربة لإيران.

كذلك فإن إسرائيل بحاجة إلى الولايات المتحدة في مواجهة تداعيات ما بعد الضربة العسكرية، حيث إن إسرائيل لن تستطيع لوحدها مواجهة توغل وتمدد الخطر الإيراني ضدها، لاسيما من خلال صواريخ إيران القادرة على الوصول إلى إسرائيل، عبر الأجواء العراقية التي تتحكم فيها الولايات المتحدة.

وثالث الاعتبارات مرتبط بشكل أساسي بالداخل الإيراني، الذي يشهد حالة غليان وتوتر لا تصب في صالح الرئيس محمود أحمدي نجاد الأكثر عداوة لإسرائيل. الموقف الداخلي في إيران يصب إلى الآن في صالح المصلحة الإسرائيلية، حيث إن الرئيس نجاد يواجه تحدياً داخلياً وآخر خارجيا يجعلانه رئيساً ضعيفاً في مواجهة الداخل والخارج.

لذلك فإن توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية إلى المنشآت النووية الإيرانية، من شأنه تقوية الرئيس الإيراني من خلال التفاف الشعب الإيراني بمختلف تياراته حول القيادة في مواجهة الهجمة الإسرائيلية. إسرائيل غير محبوبة لدى الشعب الإيراني بمختلف تياراته المحافظة والإصلاحية، وبالتالي فإن الجميع لن يسمح بالسكوت أمام أية هجمة إسرائيلية عسكرية ضد إيران، لذلك فلا مصلحة لإسرائيل في توحيد الصف الإيراني وتقوية الرئيس نجاد من جديد.

وعليه فإن الحديث عن ضربة عسكرية إسرائيلية لإيران، أمر مستبعد ـ من وجهة نظرنا ـ في الوقت القريب على أقل تقدير، وذلك بسبب الاعتبارات المذكورة أعلاه، وما يدور من أحاديث حول إمكانية توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية لإيران، ليس إلا تكهنات تمثل حرباً نفسية للضغط، ليس أكثر.

جامعة الإمارات

binhuwaidin@hotmail.com