نحن مقبلون على خريف ساخن، وربما على شتاء أكثر سخونة. ولا حاجة للتذكير بكل ما نادينا به من ضرورة الاستعداد للتطورات الهامة القادمة، ومن ضرورة وجود خلية عمل علي أعلى مستوى، تقود العمل العربي المشترك في هذه المرحلة.

ففي غياب الإرادة السياسية الفاعلة والموحدة، ومع استمرار الانقسام رغم كل أحاديث المصالحة التي نسمعها صباحاً ومساء، تأتي الفرصة أمامنا والعالم كله ـ ولأسبابه المختلفة ـ يتصدى لخطر النازيين الجدد في إسرائيل.

ويعتبر حل القضية الفلسطينية مفتاحاً حقيقياً وأساسيا للسلام والاستقرار في المنطقة، ولكنه يجدنا في نفس هذه اللحظة، التي يمكن أن تكون مواتية لنا، غارقين في أوضاع قد تقودنا لما هو أسوأ.. عراق مدمر بعد الاحتلال، وسودان يفكك بدون احتلال، ويمن لا يمكن أن يكون سعيداً وهو يواجه خطر الحرب الأهلية، وصومال لا نعرف ماذا بقي فيه ليتقاتلوا عليه.

أما محاور الارتكاز الأساسية في العمل العربي المشترك فتبشرنا (!) بأنها توصلت إلى سلام بارد، قد يقودها يوما (قل إن شاء الله!) إلى رحاب العمل المشترك، وأما الإخوة الذين شاءت الأقدار أن يكون القرار الفلسطيني رهينة لديهم في هذه الفترة، فليس لدينا ما نضيفه إلى ما قلنا قبل ذلك: توافقوا أيها الأشقاء أو انصرفوا، لأن البديل هو اكتمال الكارثة.

المهم أننا أضعنا شهوراً طويلة وثمينة، منذ تولي أوباما مقاليد الرئاسة الأميركية ومنذ تحركه في قضايانا، انطلاقاً من أن حل القضية الفلسطينية هو مصلحة أميركية، ومنذ صدامه مع الحكومة الإسرائيلية حول قضية وقف الاستيطان، التي اختارها مدخلاً أساسياً للتعامل مع القضية الفلسطينية.

اختار أوباما هذا الطريق المملوء بالمخاطر الداخلية والخارجية، واخترنا نحن ـ كالعادة ـ موقف الانتظار، غير مدركين معنى هزيمة الإدارة الأميركية في هذه المعركة التي استطاعت فيها حشد تأييد القوى الكبرى في أوربا والعالم، وقسمت فيها اللوبي الصهيوني داخل أميركا، ليس حباً في العرب بالطبع، ولكن علي قاعدة أولوية التحدي الإيراني وتأمين المصالح الأميركية في الانسحاب الآمن من العراق والانتصار في أفغانستان وتأمين الأوضاع في باكستان.

الآن.. يبلغ المبعوث الأميركي جورج ميتشل الأطراف المختلفة، أن أوباما يعد لإعلان مبادرته للسلام خلال شهرين. ورغم أن المسؤولين الفلسطينيين يتحدثون عن طمأنة ميتشل لهم، بأن الإدارة الأميركية لن تفاجئهم بمواقف غير متوقعة أو تتعارض مع التعهدات الأميركية السابقة، فإن ذلك لا يعكس اطمئناناً فلسطينياً، بل ربما العكس هو الصحيح. فالمبعوث الأميركي نفسه يتحدث عن تقدم في المباحثات مع الجانب الإسرائيلي، مع وجود «فجوة» فيما يتعلق بالاستيطان، والتفسير الحقيقي لهذه «الفجوة» هو أن نتنياهو لم ولن يقبل بوقف كامل لعملية الاستيطان، لا في القدس ولا في الضفة، وآخر التسريبات تتحدث عن اقتراح مفاوضات بسقف زمني لا يتجاوز 18 شهرا، بهدف التوصل إلى تسوية نهائية، علي أن يستمر بناء المستوطنات بصورة «جزئية» متفق عليها خلال هذا الفترة، بحجة أن المفاوضات ستلزم الطرفين بالتوصل إلى اتفاق حول الحدود النهائية للدولة الفلسطينية، وعندها فقط يمكن الحديث عن وقف الاستيطان في ما هو داخل حدود هذه الدولة.

ومثل هذا الاقتراح أو ما يقاربه، يعني أن تستأنف المفاوضات في ظل استمرار الاستيطان! وتعطى إسرائيل 18 شهراً يكون بعدها أوباما قد دخل أجواء معركته الرئاسية القادمة، بما تفرضه من قيود علي حركته، ويكون ضغط الوجود العسكري في العراق قد خف علي الإدارة والكونجرس الأميركيين، وتكون الدول العربية مطالبة بتقديم خطوات علي طريق التطبيع، لتشجيع إسرائيل علي مجرد التفاوض الذي لن ينتهي إلى شيء، و.. يكون الملف النووي الإيراني قد تم حسمه اتفاقا أو حرباً، وفي الحالتين تتغير الأوضاع في المنطقة تغييراً شاملاً.

إن بلورة موقف عربي حاسم من مثل هذه التوجهات أمر هام، خاصة أن الإدارة الأميركية تتصرف علي أساس أنها أمام قيادة فلسطينية مقسمة وضعيفة، وأن إسرائيل تتصرف علي أساس أنه ليس لدى الفلسطينيين (بعد أن تخلوا عن المقاومة) ما يقدمونه، إلا الاعتراف بالأمر الواقع الذي تفرضه القوة الإسرائيلية. أما الثمن الحقيقي لأي «تنازلات!» قد تقدمها إسرائيل، فيجب أن يدفعه العرب.. أسواقا مفتوحة، وأموالاً عربية تستثمرها إسرائيل، وقيادة تسلم لها!.

إن الإصرار علي إيقاف بناء المستوطنات، ينبغي أن يشمل كل الأرض المحتلة عام 67، بلا تفرقة وبلا انتظار لترسيم نهائي للحدود وغير ذلك من الحجج، والمفاوضات ينبغي أن تكون لوضع خطوات تنفيذ الحل المتفق عليه مسبقاً. وأي خطوات على طريق التطبيع تكون بعد الحل النهائي، وليس قبله بأي حال.

بالطبع، ليس منتظراً من أوباما أن يعكس في مبادرته المرتقبة كل ما نراه، ولا هو قادر على ذلك. ولكن المهم أن يكون موقفنا واضحاً من الآن أمام العالم كله، وأن يكون واضحاً أننا قدمنا كل ما يمكن من تنازلات، وأننا لا نأمل خيراً قليلاً أو كثيراً من حكومة نتنياهو، ولكننا ننتظر مبادرة أوباما لتجيب على السؤال الهام: هل ستعكس بالفعل مصلحة أميركا، بعد سنوات كانت المصلحة الإسرائيلية وحدها هي التي تصنع قرار البيت الأبيض في قضايا المنطقة؟ أم أن اللوبي الصهيوني في أميركا سوف يحسم الأمر في النهاية، وهو ما يراهن عليه نتنياهو وتستعد له جماعات الضغط في أميركا، ويغيب عنه العرب حتى الآن!!.

كاتب مصري

elsadattt@hotmail.com