عندما بلغ العجز في الميزانية الاتحادية الأميركية، في أواخر عهد الرئيس جورج بوش الابن، ألف مليار (أي تريليون) دولار، مسجلاً بذلك أعلى رقم من نوعه في التاريخ الاقتصادي الأميركي، ارتفعت صيحات فزع داخل الولايات المتحدة.

الآن وبعد ستة شهور من بداية عهد إدارة باراك أوباما، تصاعد رقم العجز إلى 1700 مليار دولار. ولو كان سبب هذا العجز الأسطوري، التوسع في الإنفاق على برامج اجتماعية كالتأمين الصحي للفئات محدودة الدخل، لهانت الكارثة.

لكن السبب الأساسي هو الهدر والتبديد، المتمثل في التوسع الأسطوري في الإنفاق العسكري على حروب خارجية. وعندما اختار عشرات الملايين من الناخبين الأميركيين لأنفسهم أن يصوتوا في معركة الانتخابات الرئاسية لصالح أوباما، فإنهم توسموا في خطابه البلاغي استعداداً وعزماً لوضع نهاية حاسمة للحرب الأميركية في كل من العراق وأفغانستان.

أجل.. لقد عمد أوباما إلى تنفيذ انسحاب أميركي مبرمج من العراق، لكن سرعان ما انكشف أنه يضمر في الوقت نفسه مضاعفة الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان، للتوسع في الحرب ضد قوات طالبان. وربما يبدو غريباً وغير منطقي، أن يوجه الرئيس أوباما الموارد الوطنية صوب الإنفاق العسكري التدميري، في ظروف تداعيات الأزمة الاقتصادية الصارمة التي تضرب مرتكزات وقوائم الاقتصاد الوطني الأميركي.

لكن المشكلة هي أن إدارة أوباما والإدارات المتعاقبة السابقة، تدرك أن بقاءها في السلطة رهين بخدمتها مصالح ما يطلق عليه «المجمع الصناعي العسكري»، وهو اتحاد كبرى شركات صناعة الأسلحة العملاقة، التي يمتد نفوذها ليشمل مؤسسة السلطة الأميركية على الدوام. لهذا فإن الطابع الغالب على سياسات وتحركات الإدارات الأميركية المتعاقبة، هو افتعال واختلاق بؤر توتر في أنحاء العالم، لإيجاد ذرائع من أجل إشعال حروب، لتبرير لجوء الإدارة بصورة مستديمة إلى إبرام تعاقدات تلو تعاقدات، لمشتريات أسلحة جديدة من شركات صناعة السلاح. وإدارة أوباما برهنت على أنها ليست استثناءً من هذه القاعدة.

أما ما ظل يكرره الرئيس أوباما، من أنه جاء ليكون رسول سلام لا يعتمد لسياسته سوى وسيلة الحوار والدبلوماسية الناعمة، فإنه ليس سوى قول خطابي يناقضه الفعل تماماً.

ولا أدري، إجمالاً، كيف سمح بعض العرب لأنفسهم بتصديق خدعة «التغيير»، التي رسمها أوباما لنفسه منذ حملته الانتخابية! كانت الكتابة ظاهرة على الجدار. ففي سياق حمأة الحملة شخص أوباما إلى إسرائيل، حيث لبس القلنسوة اليهودية وصلى عند «حائط المبكى»، ودعا لأمة اليهود بالخير، بعد أن جثا على ركبتيه أمام نصب «المحرقة».

opinion@albayan.ae