سحب بريطانيا آخر جندي لها من العراق أمس وتحديدًا من محافظة البصرة منهية بذلك ست سنوات من الاحتلال ـ هو نتاج يحسب للعراق بشعبه ومقاومتهة ومسؤوليه، ذلك أنه لولا المقاومة العراقية بكل أشكالها وحالة الاصطفاف بين الشعب العراقي وقيا داته والتعاون والتنسيق مع قوات الأمن وخفض منسوب الفوضى والعنف لما كانت هذه الخطوة الكبيرة ، فكما هو معروف عن الاحتلال أيًّا كان شكله ومنهجه وطبيعته لا يزول إلا بالمقاومة وبتكاتف أبناء البلد الواقع عليه الاحتلال.

لقد ألحق الغزو الأميركي والبريطاني ضررا فادحا بالعراق أرضا وشعبا وقد آن الأوان أن يستعيد العراق عافيته ويسترد وحدته الوطنية ذات التكوين الرائع والضارب لأروع الأمثلة في التلاحم والأخوة والإنسانية والتي لم تكن تعترف بسموم الطائفية والمذهبية والعرقية ، والتي حاول الاحتلال وبعض الجماعات المندسة المبغضة للعراق أن تسلبها من العراقيين ، وتشوه ذلك التركيب المجتمعي الجميل وتقطع تلك الأنسجة المتينة التي تشكل وحدتهم الوطنية ، ولم ينفك الاحتلال وذيوله المختبئة تحت عباءته عن العمل على تدمير الجهود الرامية لاستعادة هذه الوحدة ، التي يرى الاحتلال فيها سلاحًا أمضى لردعه ، ومعطلاً لمشاريعه التدميرية التي جاء من أجلها.

ولعل ما يؤكد صحوة الشعب العراقي وحرصه على وحدة ترابه الوطني وطهارته من دنس الاحتلال ورفضه الانسياق وراء مطالب الاحتلال بتوفير الآليات التي من شأنها أن توفر له الملاذ الآمن للبقاء ، هو مغادرة آخر جندي بريطاني الأراضي العراقية أمس دون ضجيج أو مراسم كما جرى العرف على ذلك، بعد أن فشلت جهود كل من لندن وبغداد في وضع اتفاقية أمنية تخول للاحتلال البريطاني البقاء على الأراضي العراقية ، على غرار الاتفاقية التي وقعتها الحكومة العراقية الحالية مع واشنطن والتي تسمح ببقاء الاحتلال الأميركي في العراق ، والتي لا شك في أن الشعب العراقي سيقول أيضًا كلمة الفصل فيها عبر الاستفتاء المزمع إقامته حولها.

ولذلك فإن هذا الحرص العراقي وهذه الغيرة على طهارة تراب الوطن ـ كما يبدو ـ لم يعجبا أعداء العراق ، فراحوا يمارسون طريقتهم المنافية للمبادئ الشرعية والأخلاق والفطرة السليمة، ظنًّا منهم أن انتهاج أسلوب العنف والإرهاب والقتل سيوفر أرضية يبني عليها الاحتلال ومن ينضوون تحت عباءته الأسباب الداعية إلى البقاء ، وإعطاء صورة غير صحيحة عن أن العراقيين غير قادرين على حفظ أمنهم وإرساء الاستقرار في ربوع وطنهم ، ما يستدعي بقاء قوات الاحتلال لمساندة القوات العراقية ، غير أن هذه الأسباب والمبررات الواهنة بدأت ترتد سهمًا في صدور أعداء العراق.

ولا ريب أن سلسلة التفجيرات الدموية التي استهدفت المساجد ومرتاديها من المصلين ، كما حدث أمس في وقت صلاة الجمعة حيث اكتظاظ المساجد والجوامع بالمصلين من أجل إيقاع أكبر عدد من الضحايا، حيث وقع العشرات بين قتيل وجريح ، هي أسلوب رخيص ينتهجه أصحاب القلوب المريضة والنفوس الخربة وهو أسلوب لا يقره شرع ولا دين ، إلا أن الذين يقفون وراء هذه التفجيرات يزعجهم رؤية عراق مستقر وآمن فأخذوا يمارسون عملياتهم الدنيئة ضد الأبرياء والآمنين لخدمة الاحتلال وإعطائه المبررات ، ولتكريس الطائفية البغيضة التي جاء بها الاحتلال لضرب الوحدة العراقية ليستفرد هو وعملاؤه بثروات ومقدرات العراق ، ولأجل أن يستمروا في غيهم وإبقاء العراق في دوامة العنف والتمزق.

إن انتهاء الاحتلال البريطاني في العراق يعد تتويجا لجهد كفاحي متعدد الأوجه للعراقيين بمختلف فئاتهم ومكونات مجتمعهم ويعكس صحوة عراقية كبيرة وحس وطني رفيع يضربه العراقيون من أجل وحدة عراقهم ورفضهم للاحتلال تحت أي مسميات (وجود ، تدريب ومساعدة ، إعادة إعمار)، كما يشي بأن بإمكان العراقيين تجاوز محنتهم وخلافاتهم وتحقيق المصالحة الوطنية والمحافظة على هويتهم ، وبناء العراق الذي لا يزال ينتظره الحضن العربي بكل شوق وحنين، وليكون كما كان البوابة الحصينة للوطن العربي.