أمتعنا الدكتور يعقوب يوسف الحجي بكتاب جديد، صغير الحجم قليل الصفحات رشيق الأسلوب، بيد أنه يحوي عصارة ما قام به هذا الباحث المنقطع للعلم خلال أكثر من ثلاثة عقود، لحفظ التراث البحري. وكتابه وإن كان عنوانه «من الفولكلور البحري الكويتي»، إلا أنه في واقع الأمر يتخطى دائرة الكويت ليشمل جانباً من التراث البحري لبلدان الخليج العربي، التي اشتركت في الماضي في الغوص في أعماق الخليج العربي بحثاً عن لآلئه، فضلاً عن اشتراكها في ارتياد شواطئها إلى جانب شواطئ الهند وشرق أفريقيا.

وخلال سنيه الطويلة من البحث التقى المؤلف بالكثيرين من البحارة والأستادية (القلاليف) والتجار داخل الكويت وخارجها. أما ما يعنيه بالفولكلور فهو تلك «العادات الاجتماعية والأخلاقية والممارسات والأغاني الشعبية والأمثال والكنايات» التي تعلقت ـ بالطبع ـ بالحياة البحرية في مجتمعات الخليج العربي.

وقد استهل الحجي كتابه الشيق بشكل منطقي، حيث تحدث عن مهنة صناعة السفن، تلك المهنة التي كان يقوم بها القلاليف (مفردها قلاف) والأستادية (بالدال ومفردها أستاد)، والأخير هو مهندس السفينة.

والعجيب أن الأستاد لم يكن يستخدم سوى أدوات قليلة في عمله هي: «خيط وطباشير، ومسبار من الحديد (يسمى بلد)، وربع دائرة نحاسية لقياس زاوية ميلان عمود المقدمة والمؤخرة.

أما باقي الفن ـ يكتب الحجي ـ فهو في عقل الأستاد، إنه يصنع السفن عن طريق العقل والنظر، دون رسومات وقياسات إلا البسيط منها، مثل استخدام في قياس طول عمود من الأعمدة»!! ولذلك، فنسبة القلاليف الذين كانوا يرتقون إلى مرتبة الأستادية بعد سنوات طويلة من المران والتدريب، كانت لا تتعدى الواحد أو الاثنين في المائة.

وأشهر النشاطات البحرية كانت الغوص التي كانت هيراته (مصايد اللؤلؤ ومفردها هير) تتوزع في أجزاء كثيرة من الخليج العربي، لكن أشهرها كان قبالة السواحل البحرينية. وهذه المهنة كانت شاقة، حيث أن الغوص كان يتم بدون آلات، مما كان يعرضهم لخطر الاختناق فضلاً عن مهاجمة سمك القرش، وكان العمل يتم على ظهر (البوم) في جو خانق الحرارة والرطوبة طوال أشهر الصيف.

وكان الحصول على اللؤلؤ الجيد (الحصباء والدانة والدر) أمراً صعباً ونادراً، يقول الدكتور يعقوب الحجي: «فمن بين ألف محارة لا تحتوي على لؤلؤ منها سوى واحدة أو اثنتين». ويضيف معلقاً: «وكل هذا التعب والشقاء الذي يبذله هؤلاء الرجال خلال أربعة أشهر متصلة من الغوص والمهانة، لا ينتج عنه سوى عقد واحد أو عقدين تتزين بهما واحدة أو اثنتان من نساء البرجوازية في أوروبا وأميركا الشمالية»!!

ويورد لنا المؤلف قصة طريفة عن براعة الخليجيين في معرفة الهيرات ومواقعها، فقد كان النوخذة «الشروقي» الضرير وهو من البحرين، يقود سفينته حتى أرساها على هير يدعى «اشتيه»، ولكن البحارة أرادوا خداعه أو اختباره، فقالوا له إن هذا الهير الذي توقفوا عنده ليس هير «اشتيه» بل هير «ريه».

فقال لهم احضروا لي من الطين من قاع هذا الهير، فأسرع أحد البحارة ووضع بعضاً من طين كانوا قد جلبوه من هير «ريه» في يد النوخذة، الذي اشتم هذا الطين فقال لهم: «الطين طين ريه والهير هير اشتيه.. غوصوا يا عيال». فعرفوا أنه نوخذة حاذق، على الرغم من فقدانه لبصره.

وينقل لنا قصصاً وأحاديث مروية عن السفر البحري بين موانئ الخليج العربي والهند وشرق أفريقيا، التي كان يرتادها البحارة الخليجيون مهتدين في رحلاتهم بمواقع النجوم. واستطاع هؤلاء عبور المحيط الهندي (من منكلور إلى بندر ممباسا الإفريقي)، وهذه الرحلة في البحار المفتوحة كانوا يطلقون عليها «عبرة»، حيث كانت تتطلب 14 يوماً متصلة من الإبحار.

ونذكر بأن سفن «أيام زمان» الشراعية كانت تعتمد على الرياح، وإن توقفت الرياح لأيام كثيرة وهم في عرض البحر، فقد يتعرضون للهلاك لنفاد المؤونة لديهم. ومن جملة ما يرده الحجي نقلاً عن رواية للسيد عبد الرحمن بن عبد الله الشاطبي (وهو عماني من أهل ممباسا وكان مسؤولاً عن تسجيل السفن القادمة لمينائها في الماضي)، أنه رأى الشهادة التي قدمها قبطان إنجليزي للنوخذة الكويتي معيوف البدر، حيث كان هذا النوخذة يركب باخرة إنجليزية من ممباسا إلى بومبي.

وفي عرض البحر نظر البدر إلى النجوم فعرف أن خط سير الباخرة ليس صحيحاً، وأنها إذا استمرت في هذا المجرى فلن تصل إلى مدينة بومبي، وعليه فقد طلب مقابلة القبطان الذي عجب لهذا العربي الذي تجرأ على الشك في قدرات قبطان إنجليزي، ولكنه استمع له وعرف أنه أمام رجل يعرف ما يقول. ولما رجع القبطان إلى الخريطة التي كانت أمامه، عرف أن النوخذة معيوف على حق.

مؤلف جميل يصلح أن يكون كتاب مطالعة لناشئتنا، ليعلموا كيف كافح أجدادهم يجهدون لتوفير الرزق الحلال.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com