يطرح معدو تقرير «التنمية الإنسانية العربية لعام 2009»، في مقدمة هذا التقرير، تساؤلا مجرعا بالمرارة: «لماذا كانت العقبات التي تعترض سبيل التنمية في المنطقة عصية على الحل؟». (راجع: تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2009، موقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على الانترنت).

سأزيد المتسائلين والنائحين صوتا واحدا.. نعم أتذكر هذه المفردات جيدا.. لقد عنونت بها مقالي في هذه الصفحة في 9 مايو الماضي «عصية على التغيير».

وهناك من سبقني قبل أيام وأطلق التساؤل نفسه، وهو الصحافي البريطاني المخضرم روبرت فيسك، الذي عنون مقاله في صحيفة «الإندبندنت» البريطانية يوم 28 يوليو «لماذا الحياة في الشرق الأوسط ما زالت تضرب بجذورها في العصور الوسطى؟».

يتساءل فيسك: « لماذا العالم العربي متخلف جدا؟ لماذا هذا العدد الكبير من الحكام المستبدين، والقليل جدا من حقوق الإنسان، والكثير من أجهزة أمن الدولة والتعذيب، ومعدل الأمية المرعب؟».

ويزيد بالقول: «لماذا هذا المكان التعيس الغني جدا بالنفط، عليه أن ينتج حتى في عصر الكمبيوتر سكاناً ضعافا جدا من الناحية التعليمية، ويعانون من نقص التغذية ومن الفساد؟».

يبدو روبرت فيسك عربيا مثلنا وهو يطرح هذه التساؤلات، إنه كذلك على نحو ما، فهو يعيش في المنطقة منذ سبعينات القرن الماضي.

إنني أشفق بشكل ما، على معدي تقارير التنمية الإنسانية العربية، فمنذ العام 2002 مع صدور التقرير للمرة الأولى، وهم لا يفعلون سوى مراكمة الإخفاقات في سجل يتضخم يوما بعد الآخر. لكن هؤلاء لديهم الشجاعة لكي يشخصوا العلل، ولديهم المثابرة على طرحها وتحليلها بجهد جبار، لأنهم خبراء ومؤهلون، فماذا سيكون شعورنا حيال من يمسهم التقرير في الصميم؟

في تقرير العام 2002، تم تشخيص ثلاث مشكلات رئيسية عدت من النواقص في المجتمعات والبلدان العربية، وإذ لم يغفل معدو ذلك التقرير عن التأثيرات الهائلة للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، فإنهم أشاروا إلى ثلاثة نواقص أساسية، وهي «المعرفة» و«الحرية» و«تمكين النساء».

وجاء تقرير العام 2003 ليقول في مقدمته: «تفضي مراجعة التطورات العالمية والإقليمية والمحلية منذ انتهاء العمل على تقرير التنمية الإنسانية العربية 2002، إلى أن تحدي التنمية متمثلا في النواقص الثلاثة: «المعرفة» و«الحرية» و«تمكين النساء»، ما زال جد خطير.. بل ربما ازداد التحدي خطورة، خاصة في مضمار الحريات بسبب هذه التطورات».

وفي تقرير العام 2004، الذي كان جل المسؤولين العرب يتحدثون فيه عن الإصلاح أكثر من أي شيء آخر، جاء واضعو تقرير ذلك العام للقول: «لم يعد الإصلاح الجزئي كافيا مهما تعددت مجالاته، بل ربما لم يعد ممكنا من الأساس». وزادوا في مكان آخر من التقرير بالقول: «إن القيد السياسي على التنمية الإنسانية، هو الأكثر وطأة والأبعد إعاقة لفرص النهضة فيها».

ذلك العام، 2004، شهد ذروة المطالبات الأميركية والأوروبية بالإصلاح، ونظم خلاله منتدى الدار البيضاء الشهير. كان المسؤولون العرب تحت الضغط، داخليا وخارجيا، لكن ما سجله تقرير ذلك العام يكفي لقراءة النتائج دون حاجة للعودة إلى أرشيف. اقرؤوا بعض ما جاء في تقرير العام 2004: «لم تؤد الانتخابات دورها المفترض كوسيلة للمشاركة أو تداول السلطة، فأعادت إنتاج الفئات الحاكمة نفسها في معظم الحالات».

واقتبس التقرير سطورا من تقرير لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، وصفت فيها المنطقة بأنها «ثاني أكبر سجن للصحافيين في العالم». لكن في منتدى الدار البيضاء نفسه، سجلت أولى علامات التراجع لدى إدارة بوش عن الإصلاحات، مفضلة (كالعادة) المصالح الاقتصادية والتجارية. لهذا جاء تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2005، ليلخص الوضع على أفضل صورة عندما يقول معدو التقرير (2005): «أصبح الإصلاحيون ودعاة حقوق الإنسان في معظم الدول العربية، هدفا ثابتا للإجراءات القمعية الرسمية».

وقبل هذا ذكرونا بالأثر المدمر للطريقة التي استخدمتها إدارة بوش لفرض الإصلاحات، عندما قالوا «إن فظاظة المناداة بالإصلاح من الخارج ولو قسرا في بعض الأحيان، خلفت ردود فعل سلبية لدى بعض الفئات المجتمعية».

توقف إصدار التقرير في الأعوام 2006 و2007 و2008، وها هو في العام 2009 يأتي ليراكم سجل الإخفاق.. اقرأوا: «لم تنجح أغلبية البلدان العربية في تطوير الحكم الرشيد ومؤسسات التمثيل القادرة على ضمان المشاركة المتوازنة لكافة الفئات».

لكن هذا قد يبدو تعبيرا ملطفا، فمحور التقرير هو «أمن الإنسان»، وفي هذا ليس ثمة ما يبهج عندما يقول واضعو التقرير: «أدى غياب أمن الإنسان إلى عرقلة مسيرة التقدم في البلدان العربية». لا يخص هذا التشخيص الصومال مثلا، أو فلسطين الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ولا السودان الممزق بحروبه الأهلية، بل إن التقرير يذهب إلى القول إن «انعدام أمن الإنسان لا تخلو منه حتى البلدان العربية التي تتمتع باستقرار نسبي».

ماذا تبقى من «وصفة الخراب»، عندما يتضخم سجل الإخفاقات منذ العام 2002 وحتى العام 2009، إلى هذا الحد الذي يدفع معدي تقرير العام 2009، وبعد ثماني سنوات من صدور التقرير الأول، إلى طرح ذلك التساؤل: «لماذا كانت العقبات التي تعترض سبيل التنمية في المنطقة عصية على الحل؟»!

ليس التشخيص هو المشكلة، فالمشكلات والمعضلات ظاهرة وواضحة. الأمر يتعلق بالطريقة التي تتعامل بها النخب الحاكمة مع هذه المشكلات الآخذة على الاستعصاء.. ها قد عدنا إلى نقطة البدء.

كاتب بحريني

mfadhel@batelco.com.bh