إذا كانت تداعيات الزمن الماضي بكل حيثياته قضت باتخاذ قرار التهجير الجماعي والقسري للموريسكيين من أندلسهم، وإلحاق تلك المأساة الرهيبة بهم، فإننا مازلنا نعتقد أن أسبانيا الجديدة والمؤمنة بتحالف الحضارات مبدأ وسلوكا وعقيدة، قادرة على أخذ مبادرة الإقرار بحصول تلك المأساة التي حلت بالموريسكيين. وسيبقى ذلك دينا حضاريا نطالب به دوما، وهو ما دفعنا إلى توجيه رسائل إلى القادة العرب والمسلمين والمنظمات والمراكز العربية والإسلامية، لنؤكد من جديد على أن الاستمرار في تجاهل هذا الملف، أساء إلى ضميرنا وإلى حضارتنا الأندلسية التي تناسيناها وانشغلنا عنها تماما منذ أربعة قرون، بل ولم يتبن مسؤولونا ولا مراكزنا ومنظماتنا العربية والإسلامية جميعها، المواقف التي تستوجبها منها المطالبة بذلك الدين.
وتوفقنا في مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات إلى عقد أربعة عشر مؤتمرا دوليا حول الدراسات الموريسكية الأندلسية، تكللت جميعها بنشر 600 دراسة بالإسبانية أساسا ثم الفرنسية والعربية، وشارك فيها العشرات من الباحثين العرب والأجانب من الجيل الجديد وهو ما يبرز مدى ما تحظى به هذه الدراسات من اهتمام جديد على الصعيد الدولي.
وتواصلا مع هذا التقليد العلمي، وجهنا دعوات منذ سنة 2007 باسم مؤسستنا واللجنة العالمية للدراسات الموريسكية إلى الجميع من دون استثناء، للمشاركة في المؤتمر الرابع عشر الذي عُقد في تونس في أيار (مايو) الماضي بمناسبة الذكرى المئوية الرابعة لتهجير الموريسكيين الأندلسيين قسرا من الأندلس (1609 – 2009).
ولبى دعوتنا عشرات الباحثين ممن يجمعهم الحرص على تعميق معرفتهم بهذه الجدلية التاريخية والتي مازالت تحتاج إلى الدراسة المتأنية في ضوء الاكتشافات الأرشيفية والمخطوطات المتنوعة الأوروبية منها والعربية والعثمانية. كما سعينا على الخصوص إلى إيجاد قنوات الحوار والشراكة العلمية مع مختلف الباحثين الدوليين. وفيما لبى العشرات من المؤرخين الدعوة وأتوا من أربع قارات، خطط فريق آخر من الباحثين الغربيين لعقد مؤتمر مواز في غرناطة قبل ثلاثة أيام فقط من تاريخ مؤتمرنا، وهو أمر لا أخاله يخدم الشفافية والأهداف العلمية أو الشراكة العلمية الاوروبية العربية.
فالثابت أن مبحث الموريسكولوجيا يحتاج إلى عشرات المخابر البحثية في إسبانيا والأميركيتين والمغرب والمشرق العربيين، وكذلك في مناطق جديدة أسوة بالهند واليابان وباكستان ودول أخرى عديدة بدأت تولي هذه الدراسات اهتمامها.
وألقى مؤتمرنا أضواء جديدة على عديد الملفات المرتبطة بالمأساة التي حلت بالأمة الأندلسية، نتيجة سياسات محاكم التفتيش الرهيبة التي عملت على محو الذاكرة الأندلسية تماما من الوجود. ونحن من منطلق حضاري وعلمي قمنا بتوجيه رسائل إلى جلالة الملك خوان كارلوس، وقام جلالته بالردّ علينا كتابيا، وتبين لي يومئذ أن السلطات الإسبانية العليا واعية تماما بالإشكالية برمتها.
والحقيقة أننا كنا نأمل على اثر إستلامنا رسالة جلالة الملك الإسباني مؤخرا، أن يُوجه الإسبان المعاصرون رسالة حضارية إلى الجميع، تؤكد أن أسبانيا اليوم غير أسبانيا الأمس، وأن إرثها الحضاري الأندلسي الذي يعود إلى ثمانية قرون من الوجود العربي الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، يشكل مفخرة للإنسانية جمعاء عبر العصور.
ولابد اليوم للمنظمات الإقليمية أسوة بمنظمة المؤتمر الإسلامي ، أن تولي الاهتمام اللازم بإحياء التراث والتاريخ الأندلسيين اللذين يشرفان الجميع. وتلك هي رسالتها التي ينبغي أن تبلغها للجميع، فهل من مستمع لهذا النداء يا أمة العرب والمسلمين ؟
