انعقد في بدايات هذا الشهر (يوليو) المؤتمر الثالث لزعماء الأديان العالمية والتقليدية في أستانا عاصمة جمهورية كازاخستان، علما بأنه ينعقد كل ثلاث سنوات، وزاد عدد الوفود هذا العام عن 75 وفدا من مختلف المذاهب والتيارات ومن الأديان السماوية أو التقليدية الوضعية، كما حضر المؤتمر عدد من ضيوف الشرف والمنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة، ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي.
ومنظمة اليونسكو، ومنظمة العالم الإسلامي، ومثلت الإسلام وفود من بعض الدول الإسلامية، وضمت الوفود عددا من رجالات الدين البارزين، مثل الشيخ محمد سيد الطنطاوي شيخ الأزهر، والدكتور عبد الله التركي الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي وغيرهم من أهل العلم والفضل.
وشاركت في المؤتمر وفود مسيحية ويهودية وبوذية، أما الأديان التقليدية فشاركت بوفود عن ديانة الشينتوية من اليابان، والهندوسية من الهند، والداوية والزرادشتية من الصين.
انعقد المؤتمر حول ثلاثة محاور رئيسية، أولها: القيم الأخلاقية والروحية والأخلاق العالمية، في حين تناول المحور الثاني: الحوار والتعاون، بينما ناقش المحور الثالث موضوع: التضامن في وقت الأزمات.
وفي نهاية المنتدى أصدر المؤتمر وثيقته الختامية بعنوان: زنداء المشاركين في المؤتمر الثالث، تركز على البعد عن الحروب وإحلال السلام، والتعاون في وقت الأزمات، والتأكيد على التسامح بين الأديان، والاهتمام بالبيئة.
وقد هيأت جمهورية كازاخستان فرصة رائدة لاستجلاء دور زعماء أتباع الديانات في حل مشكلات العالم المعاصر، والإسهام في تحقيق السلام العالمي الذي عجزت أو تباطأت السياسة عن رسم معالمه، أو لعلها كانت سببا مباشرا في خلق معوقاته.
يهدف هذا المؤتمر إلى التقريب بين الأديان وفتح باب الحوار في المسائل المشتركة والمصالح المتبادلة، لتقريب وجهات النظر من خلال الأرضية والأصول المشتركة بين الأديان، وذلك في ظل ظروف سياسية وحروب مشتعلة وتنوعات دينية وعرقية تعيشها الدول المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق. ففي كازاخستان تعدد عرقي وديني كبير، فغالبية سكان كازاخستان هم من المسلمين، ويمثلون قرابة 55% من السكان، ثم تأتي المسيحية والبوذية واليهودية.
في هذه الظروف يأتي هذا المؤتمر بروح كازاخستانية مميزة، وبرؤية ثاقبة لرئيس كازاخستان نور سلطان نزار باييف، مخطط السلام في بلده وراسم معالمه على المستويين الإقليمي والعالمي، والذي وفر جميع متطلبات النجاح للمؤتمر، فهيأ المكان الشامخ له، ووظف عددا من أعلى شخصيات حكومته برئاسة رئيس مجلس الشيوخ «السينات» د. قاسم جورمات توقاييف، للإشراف على التحضير العام للمؤتمر وتنظيم فعالياته.
وقد عقدت الأمانة العامة للمؤتمر عدة لقاءات تحضيرية على مدى عامين، بمشاركة أكثر من خمس وأربعين شخصية يمثلون الأديان السماوية والتقليدية في العالم، حتى خرجوا برؤية شاملة وعناصر محددة.
وقد حاز مؤتمر زعماء الأديان السماوية والتقليدية اعتراف العالم به كساحة فاعلة للحوار من أجل دفع السلام والوفاق، وكازاخستان تعتبر نموذجا ناجحا للوفاق بين العرقيات والطوائف، فمنذ قرون كانت أرض كازاخستان هي موطن أبناء ما يزيد على 130 من القوميات والديانات المختلفة، لذلك أصبحت عن جدارة هي المقر المناسب لعقد هذا المؤتمر الفريد.
ويأتي هذا الدور متوافقا ومنسجما مع رؤى القيادة الرشيدة لدولة الإمارات في تحقيق السلام العالمي، من خلال الحوار والتعاون مع جميع الشعوب والأديان، ومن خلال الانسجام والائتلاف مع البشرية والعالم، وهذه الثقافة تظهر في تواجد أكثر من 200 جنسية مقيمة في أرض الإمارات، وهي جنسيات تجمع أديانا مختلفة وثقافات متعددة، إلا أنها تعيش في أمن وأمان وكرامة واطمئنان أكثر مما تجده في بلادها.
ودولة الإمارات العربية المتحدة تشارك كمراقب في أعمال المؤتمر، ممثلة بالهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، ودائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي.
ومثلها وفد ترأسه محمد عبيد المزروعي المدير التنفيذي للهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، وقد تشرفت بأن أكون من ضمن وفد الدولة للمؤتمر، كما كان من المشاركين في الوفد المستشار الديني لديوان الرئاسة علي الهاشمي، الذي أكد على اهتمام الدولة بهذا المؤتمر امتدادا لعنايتها بمؤتمرات السلام العالمي والحوار البناء، وتأييدا لجهود حكومة كازاخستان في هذا الاتجاه.
ومما لا شك فيه أن الإسلام أكد على وجود أديان أخرى في الوجود، ولم يكره أحدا على الإسلام، وساوى بين البشر في الحقوق والواجبات العامة، ونهى عن سب آلهة المشركين مع أنها باطلة، فقال تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم}.
إن الواقع يقول إن الأديان عموما ستظل هي المرجعية الأساس التي يعود إليها العالم مجتمعات وأفرادا، حين تختل موازين الأمور وتضطرب مقومات الحياة، فالأديان هي غذاء الروح.
وهي مفاتيح المستقبل، لذا نجد الاتحاد السوفييتي الذي أخذ بمبدأ الشيوعية المناهض للأديان والقائل بأن الحياة مادة، تاه وضاع في هذا المبدأ العقيم حتى تفككت هذه الدولة العظمى إلى دويلات، إلا أن الحكم الجديد فيها رجع إلى الدين واعترف بالأديان السماوية مع تقديم المسيحية الأرثوذكسية لأنها الأغلبية، إلا أن المسلمين في روسيا الآن في فسحة من دينهم، وهم ما يقارب الخمسة والعشرين مليون مسلم، وأصبح في روسيا أكثر من ثلاثة آلاف مسجد، بعدما لم يكن فيها إلا مساجد تعد على الأصابع أيام الحكم الشيوعي.
ولذلك لا بد أن يكون لزعماء الأديان دورهم الريادي في دفع عجلة السلام، وأن يكون لهم صوت مرتفع مسموع يصل إلى أتباعهم وإلى السياسيين وإلى العالم. فقد حان الوقت ليتحرك زعماء الأديان بوعي ومنطقية وموضوعية، استنادا على شواهد الحاضر للمشاركة في رسم مستقبل العالم المعاصر في جو من الوئام والسلام، فإنما خلق الناس جميعهم من شعوب وقبائل متباينة للتعارف، والتعارف يفضي للتآلف، والتآلف يقود للتعايش، وبالتعايش يتحقق السلم ويزدهر الكون، ويعم السلام..
رئيس قسم الرقابة والتوجيه بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي