جورج ميتشل يتنقّل في منطقة الشرق الأوسط، بين العواصم العربية وتل أبيب. إنه يبحث عن سبل فتح المعابر، ليس إلى غزّة، ولكن إلى طاولة مفاوضات السلام من جديد، بين العرب وإسرائيل. إنه يحاول في الحقيقة إقناع إسرائيل، فالعرب مقتنعون و«أكثر»، بقبول التفاوض على أساس المطلبين اللذين كان قد حددهما الرئيس باراك أوباما؛ أي مبدأ الدولتين، ووقف عمليات الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي المحتلّة عام 1967.

أوباما جادٌ في البحث عن السلام، والعرب قابلون به، وميتشل يتمنّى أن ينجح في ما فشل فيه الآخرون. المشكلة ـ المعضلة هي إذن في إسرائيل. إنها حقيقة في إسرائيل ذاتها، وليست في نتانياهو اليوم ولا في أولمرت في الأمس، وقبلهما في شارون وغيره، وليست في كاديما أو حزب العمل أو حزب الليكود، بل في ثقافة الاحتلال والحرب المتأصّلة لدى الإسرائيليين.

اليهود تعرّضوا للتعذيب والاضطهاد والقمع والقتل في زمن هتلر. إنّهم تعرّضوا لذلك كلّه بسبب ما يعتقدون، وكل عقاب سببه المعتقد مرفوض ومدان. لكن ما فعلته إسرائيل هو أنها لم تستخدم ما شاعت تسميته ب«المحرقة»، من أجل الدعوة للتضامن الإنساني والمطالبة برفع الاضطهاد.

بل على العكس تماما، لقد استخدمته كأداة إيديولوجية، بررت على أساسها نزعتها العسكرية المتفشية في مؤسسات التربية والإعلام وبرامج الأحزاب السياسية والخطاب السائد... باختصار، في صميم الثقافة الإسرائيلية عموما.

والقسم الأكبر من قادة إسرائيل، اليوم والأمس، هم من الجنرالات مثل شارون وباراك، أو ممن شاركوا بأنفسهم في عمليات إرهابية كبيغن وشامير، والاستثناءات لا تعني الشذوذ عن القاعدة، فالخطاب الحربي هو الذي كان ولا يزال سائدا باستمرار، والجميع تخرّجوا من مدرسته. الملفت للانتباه هو أن العديد من دعاة السلام الإسرائيليين المعروفين، قد أيّدوا «الحروب العادلة» التي شنّتها إسرائيل.

إن المجتمع الإسرائيلي، وبسبب ثقافة الحرب المتأصّلة فيه، يقبل ما يتم ارتكابه كل يوم، كما يسمع العالم ويرى على شاشات التلفزيون، من جرائم حرب في مختلف مدن فلسطين وقراها ومخيّمات اللاجئين فيها.

جرائم لا تمتّ بأية صلة لمشاعر الألم اليهودية التي أثارتها النازية. والإسرائيليون هم الذين قصفوا غزّة بالفسفور الأبيض في الأمس، وهم الذين يضربون عليها اليوم حصارهم الظالم والقاتل. هذه وحشية حقيقية. ولا قيمة بعدها لكل ما يقال ويتردد عن الديمقراطيّة الإسرائيلية.

وجنود الاحتلال هم الذين ينهالون بهراواتهم ضربا على أولئك، بمن فيهم بضع عشرات من الإسرائيليين، الذين يتظاهرون كل يوم جمعة احتجاجا على جدار العزل الذي أقامته السلطات الإسرائيلية.

هذا الجدار العازل نفسه يمثّل «صرحا ثقافيا» إسرائيليا، معبرا عن ذهنية أولئك الذين قرروا بناءه. فثقافة الاحتلال والحرب هي بطبيعتها «ثقافة انعزالية وعدائية»، كان الشاعر الراحل محمود درويش قد تحدّث عنها كثيرا، كما كرّس لها الكاتب الفرنسي سيلفان سيبيل كتابا كاملا تحت عنوان: «المتربصون خلف الجدار».

ما يؤكده الشاعر الإسرائيلي هارون شابتاي في مداخلة له في جامعة تورينو الإيطالية، هو أن الجيش الإسرائيلي يلجأ منهجيا إلى خبراء نفسانيين، لتثبيت ثقافة الاحتلال والحرب لدى جنوده، وتقديم النصائح للاحتفاظ بمعنويات عالية أمام جميع الممارسات.

لكن، في كل الحالات يبقى هؤلاء الجنود أقل قسوة من المجموعات اليهودية المتطرّفة، ذات الوزن الكبير في مؤسسات الثقافة والإعلام الإسرائيلية، والممثّلة حاليا في الكنيست، بل ويقود أحد رموزها، ليبرمان، الدبلوماسية الإسرائيلية اليوم! هذه المجموعات لا تنادي بأقل من الدعوة الصريحة للحرب و«التصفية العرقية»، أي ما يعني بالتحديد التخلّص من أي وجود عربي في إسرائيل.

ومنذ بدايات إسرائيل، كان دافيد بن غوريون، «الأب المؤسس»، يؤكد باستمرار قول ما معناه: «السلام ليس في صالحنا، فنحن شعب لا يتماسك سوى بوجود خطر يهددنا». ثبّت الذين قادوا إسرائيل بعده هذه المقولة.

في كل الحالات، جدار ثقافة الاحتلال والحرب، هو الذي ينبغي على الرئيس أوباما ومبعوثه ميتشل، تركيز الجهود من أجل اختراقه، وما عدا ذلك هو مضيعة للوقت. ثمّ «إن الحروب تولد أولا في ذهن البشر، وفي ذهن البشر ينبغي الدفاع عن السلام».

كاتب سوري مقيم في باريس

mohaklouf@yahoo.fr