إن السلام مبدأ آمنت به الدول العربية جميعًا وسعت إليه وما زالت وتكرس كل جهد ممكن، طارقةً أبواب المنظمات الدولية والمؤسسات الشرعية الرسمية الدولية، وموظفةً علاقاتها وإمكاناتها وحتى ثرواتها من خلال فتح عمليات الاستثمار للقوى الدولية الفاعلة والصديقة من أجل أن تقوم ببذل جهودها للضغط على إسرائيل لإرساء السلام في المنطقة وإعطاء كل ذي حق حقه، على أساس قرارات الشرعية الدولية، ولم تقف الدول العربية عند هذا الحد، بل إنها قفزت إلى الأمام قفزات كبيرة، بإقرارها مبادرة السلام العربية في قمة بيروت عام 2002م.
والتي هي في الأساس مبادرة سعودية والتي عدها العرب أنفسهم أنها بمثابة تنازلات عربية قدموها على طبق من ذهب إلى إسرائيل، غير أن الإسرائيليين يريدون تنازلات مجانية واستغلال يد العرب الممدودة إلى ما لا نهاية لإرضاء طموحاتهم وتحقيق مشاريعهم التوسعية، ما يؤكد أن السياسة الإسرائيلية لا تعاني من الانفصام فحسب، وإنما هي مبنية على العنصرية والأنانية المفرطة القائمة على إلغاء الطرف الآخر، انطلاقًا من معتقدات وخزعبلات تتنافى مع مبادئ الإنسانية والتعايش السلمي ومن أوهام لا تمت إلى الواقع بصلة.
ولو كان ما يدعيه الإسرائيليون برغبتهم في السلام والاستقرار، لكانت تحركاتهم تدلل على ذلك، ولقبلوا بمبادرة السلام العربية وتحركوا نحو تطبيقها، فهي شاملة لمطلبهم الذي أخذوا الآن يجيشون سياساتهم ويستقوون بحلفائهم لتحقيقه، إلا أن المنطق لا يقبل أن يتم القفز إلى التطبيع المجاني دون إعطاء الجانب الإسرائيلي للفلسطينيين والعرب ما يدعوهم إلى الإقدام على هذه الخطوة.
فمطالبة العرب بالتطبيع في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل اتخاذ إجراءات أحادية الجانب لتغيير المعطيات الجغرافية والديموغرافية على الأرض ببناء المستوطنات وتسمين القائم منها تحت الذريعة/ الخديعة (النمو الطبيعي)، فيه إجحاف وغمط للحق، وفيه مسؤولية تاريخية وانتحار سياسي لا يقدم عليه إلا الفاقد لهويته والمارق من عروبته، وبالتالي فقَدَ بوصلته وقيمته في الحياة.
إن المتشددين لإسرائيل والمؤيدين لسياساتها والمناصرين لها في العالم والذين يطالبون العرب اليوم بما يسمونه (مبادرة قوية) تجاه إسرائيل، إن كانوا حقًّا كذلك، فعليهم أن يمارسوا ضغوطهم عليها وإرغامها على التخلي عن السياسات المتعنتة والمخلة بالسلام والاستقرار، ويلزموها هي بمبادرة قوية، بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة ووقف الاستيطان والاعتراف بحق عودة اللاجئين والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، لتنال إسرائيل وضعها الطبيعي وتأخذ مكانها بين دول المنطقة تحظى بعلاقات كاملة واحترام وتبادل للمصالح.
أما السير وراء مطالب المتطرفين الإسرائيليين دون وعي وتعقل واختزال عملية السلام في التطبيع مقابل (تجميد) الاستيطان، هو نسف لكل أسس السلام والاستقرار، فهذا أقصى ما نأمله من أصدقاء إسرائيل وحلفائها ومؤيديها ومحبيها؛ لأن التطبيع قبل إنهاء الاحتلال انتحار، وليس في وسع العرب أن يقدموا لإسرائيل أكثر مما قدموه.
إن التأكيد السعودي الذي جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية السعودية أمس بأن الرياض لن تعترف بإسرائيل إلا بعد انسحابها من الأراضي العربية المحتلة وقبولها مبدأ الدولتين، هو انعكاس وتأكيد للموقف العربي والخليجي الرافض لإعطاء إسرائيل تنازلات مجانية دون مقابل، في حين من جانبها لم تبادر إلى تقديم شيء يحوِّل مزاعمها بأنها تقبل السلام وتسعى إليه إلى أمر واقع على الأرض، ويؤكد صدق نواياها.
