جزى الله «الصدفة» كل خير، فبها تظهر الحقائق أحيانا وإن طال أمدها، ومن خلالها يتبين كم الإهمال الذي يظهره البعض في التعامل مع المال العام، على الرغم من أنه كان من المعروف أن أي درهم يصرف من خزينة مؤسسات الدولة، يكون بالسندات والأوراق التي تبين أوجه صرفه.. الحالة التي بين يدينا ليست الأولى، فمثلها تكرر ولا يزال يتكرر، لكن الأمل معقود على الحكومة التي أصبحت إلكترونية، لوضع حد لما يمكن تسميته بالعبث.
الحالة لمعلمة أردنية أنهت وزارة التربية خدماتها نهاية العام 2006 وغادرت إلى بلادها بعد صرف مستحقاتها، وظلت من ذلك التاريخ وحتى هذه الأيام تستلم راتبها شهريا دون توقف، حتى وصل إجمالي ما سحبته 216 ألف درهم، وكان من الممكن أن تبقى على هذه الحال وعلى هذه الخزينة التي لا تنضب طوال حياتها، لولا بطاقة جهاز الصراف الآلي التي بقيت محتفظة بها وتسحب الراتب من حسابها وهي في بلدها، ولولا البنك لما وقف عند هذه الحادثة ولما علم بها أحد.
بدأت خيوط الكشف باتصال هاتفي من الأردن تلقاه مدير فرع البنك المقيد فيه حساب المعلمة، من «عميلة» ترغب في محادثته لأمر هام، وهو الاستفسار عن سبب توقف بطاقتها التي لم تعد كتلك الدجاجة تبيض ذهبا، عفوا تخرج دنانير كل شهر، ومن خلال النقاش والاستفسار تبين لمدير البنك أنها معلمة، وأن المبالغ التي تصرفها شهريا هي راتبها من عملها في إحدى مدارس الحكومة.
وبالبحث عن أسباب توقف البطاقة عن العمل تبين انتهاء تاريخ صلاحية البطاقة، فطمأنها أن الأمر بسيط وسيتم تجديد البطاقة عند عودتها وحضورها للبنك، لكنها عرضت عمل «توكيل» لقريب لها ينوب عنها، فوافق مدير البنك.
ولكي يبدد شكوكا ساورته في أمر التوكيل، تواصل مع الإدارات المعنية في وزارة التربية والتعليم، فكانت المفاجأة أن المعلمة تركت الخدمة في 26 أغسطس 2006، بعد 17 عاما قضتها في الميدان التربوي، وتبين من خلال حساباتها في البنك أنها صرفت مكافأة نهاية الخدمة المستحقة لها عند انتهاء العقد، وعلى الرغم من ذلك بقيت تستنزف موارد الوزارة لمدة 3 سنوات.
حالة لا ندري ماذا نقول عنها! لكن دعونا نطرح تساؤلا، بريئا كان أم غير ذلك، لا يهم.. وهو أين الخطأ ومن يتحمله؟ وزارة التربية والتعليم أم وزارة المالية!
فآلية صرف مستحقات نهاية الخدمة للمعلمين تنحصر في مسارين، إجراء مالي يكون بحذف المعلم المنهية خدماته من كشوف الرواتب، والآخر مستند صرف من التربية بمكافأة نهاية الخدمة ويرسل أيضا للمالية. ويبدو أن موظف المالية قد «سها» ولم ينفذ إجراء حذف المعلمة من كشوف الرواتب، وأعاد الإجراءين إلى وزارة التربية، ولم يدقق موظف التربية على المعاملة ليتحقق من حذف المعلمة التي استفادت من «سهو» أو «نوم» الموظفين، وظلت تتقاضى راتباً عن عمل على الورق فقط!
هذا الخطأ يقال إن مرده قرار وكيل الوزارة السابق بإلغاء نظام «مباشرة العمل»، الذي قوبل بالرفض الشديد حينها من بعض المسؤولين، لكن أمر الوكيل كان نافذا، وترك أمر دوام المعلمين إلى إدارات المدارس، وحيث إن المدرسة والمنطقة التعليمية كانتا على علم بانتهاء عقد المعلمة، فلم يهتم أحد بأمر غيابها الفعلي من الميدان.
سؤال أخير.. متى تنتهي هذه الحالة وإلى أين هذا الإهمال؟
