بغير خطة استراتيجية عربية متكاملة للتنمية الشاملة المتوازنة والعادلة، لا يمكن للوطن العربي على اختلاف أوضاع أقطاره، مواجهة التحديات الإنسانية الصعبة، كالبطالة والفقر، التي تشكل قنابل موقوتة في المجتمعات العربية.. وبدون تنمية بشرية شاملة، لا يمكن للوطن للعربي أن ينجح في بناء التنمية الاقتصادية والاجتماعية العربية وتحقيق النهضة الشاملة..
وتأتي المشكلة السكانية في مقدمة التحديات السبعة التي تهدد أمن الإنسان العربي، كما وضعها التقرير الخامس للتنمية البشرية العربية للعام 2009، وإذ يتوقع التقرير الذي صدر في ثلاثمئة صفحة عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة في بيروت الأسبوع الماضي، أن يزداد عدد السكان في البلاد العربية بحلول عام 2015 بنسبة كبيرة ليصل إلى نحو 400 مليون نسمة، مما يعني أن المنطقة العربية ستواجه ضغوطا سكانية أكثر، تفوق قدرة الحكومات على التخطيط، وعلى امتصاص هذه الزيادة الكبيرة وتوظيفها التوظيف الأمثل..
وهو ما يعني أيضا، أن هذه المشكلة السكانية المتزايدة ستزيد من حجم مشكلة البطالة، التي يضعها التقرير في الترتيب الثاني لما يهدد أمن الإنسان العربي، إذ أن الزيادة الجديدة للسكان، ستزيد من عدد العاطلين عن العمل بما يفاقم المشكلة.
حيث تحتل المنطقة العربية الترتيب الأول في البطالة، فبينما تقدر نسبة البطالة عالميا بحوالي 3, 6%، تقدر في البلاد العربية بحوالي 4, 14%، ويؤكد التقرير أن «اتجاهات البطالة ومعدلات نمو السكان، تشير إلى أن الدول العربية ستحتاج بحلول العام 2020 إلى 51 مليون فرصة عمل جديدة».
وهاتان المشكلتان المترابطتان، اللتان تتقدمان بقية التحديات التي تهدد أمن الإنسان العربي، تمثلان نتيجتين لضعف معدلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولغياب خطط التنمية العربية الشاملة والمتكاملة، وهما أيضا يشكلان السببين الرئيسيين لنمو مشكلة الفقر في العالم العربي، التي تصل نسبتها إلى نحو 40%.
بينما تصل نسبة ما دون خط الفقر إلى نحو 60%، وهي نسب مخيفة إذ تعني أن هناك نحو 65 مليون إنسان عربي فقير، وهو رقم مخيف لا يمكن التوصل إلى حلول حقيقية له، بدون خطة استراتيجية عربية شاملة متكاملة ومتوازنة.
وبينما يرى واضعو التقرير من العلماء والخبراء والكتاب العرب، أن المشكلة تبدأ من زيادة عدد السكان التي تترتب عليها مشكلة أمام الحكومات، فتزيد أعداد البطالة لتنتج عنها مشكلة الفقر، فإننا ننظر للمشكلة السكانية برؤية مغايرة، إذ أن المشكلة السكانية في توصيفها الصحيح، من واقع تجارب تنموية كثيرة في العالم، ليست مجرد زيادة في عدد السكان، بل عدم حسن توظيف الثروة البشرية هو المشكلة، كما أن نقص عدد السكان أيضا يمثل مشكلة..
فالمشكلة هي زيادة معدل النمو السكاني عن معدل النمو الاقتصادي، أو غياب العدالة في توزيع عائد النمو الاقتصادي على عموم السكان، والدليل أن دول الاقتصادات الصاعدة كالصين والهند، تزيد كل منهما عن المليار نسمة، ومع ذلك بخطط سليمة للنمو وتنمية بشرية للسكان، أمكنهم توظيف الكثافة البشرية الضخمة، لتتحول إلى مورد للدخل القومي ووسيلة للتنمية والنهضة، وامتلاك الطاقة السلمية والقنبلة النووية، بل والصعود إلى آفاق الفضاء الخارجي..
فمتى نؤهل مواردنا البشرية ونزيد الاستثمارات الإنتاجية، وفق خطة عربية مشتركة وخطط وطنية متكاملة للنهضة والتنمية، لنحول طاقة البشر إلى ثروة وقوة للنمو والتقدم، وليس إلى مشكلة مزمنة أو قنبلة موقوتة تهدد أمن الإنسان والأوطان؟!