لم تعد أدبيات التنمية التي اعتدنا عليها، كافية لفهم وتحليل حالة التخلف في الكثير من المجتمعات المعاصرة. فلم يعد الحديث عن معدلات النمو أو عدد الملتحقين بالتعليم في كافة المراحل، أو حتى ميزان المدفوعات، بكافية للوقوف على مستوى التنمية المتحقق.
وبدون التوصل لمستويات تنموية قادرة على صياغة بشر قادرين على التعامل مع مجتمعاتهم، ومع السياسات المصاغة من أجلهم، بدرجة كبيرة من النقد والمواجهة، فلن يمكن الحديث عن أي شكل من أشكال التقدم والتطور الحقيقيين. تصبح التنمية قي هذه الحالة هشة وغير عميقة الجذور مجتمعيا، إلى الحد الذي يمكن أن تواجه فيه أزمات طاحنة عند أول أزمة تعتريها.
فما زالت الصين والهند، على سبيل المثال لا الحصر، تواجهان تلك المفارقة المخيفة بين معدلات نمو مرتفعة، وبين أوضاع بشرية متردية للملايين من البشر، في كافة الطبقات والمستويات الاجتماعية المختلفة.
وإذا كانت الدولتان العملاقتان اقتصاديا تواجهان هذا المأزق، مع ما تحققانه من مستويات تنمية غير مسبوقة، فما بالنا بالعديد من الدول العربية التي لا تحقق أية معدلات تنموية حقيقية، ويعاني البشر فيها من مستويات فقر وإحباط وبطالة غير مسبوقة، وهو وضع تناوله بالتفصيل التقرير الأخير للتنمية البشرية في العالم العربي.
وإلى أن تستطيع الدول العربية تحقيق متطلبات التنمية البشرية، بما يؤدي لتشكيل إنسان يتعاطى مع الفضاء المجتمعي بدرجات وعي عالية وبقدرات نقدية شاملة، فإنه من الضروري توسيع دائرة الفهم والتحليل العميق لسمات الإنسان المتخلف، ودور البنى الاجتماعية المحيطة في تكريس تلك السمات وتنويعها.
كما لم يعد كافيا الوقوف عند الجوانب الكمية من التنمية البشرية التي ترصد حالة العباد، مثل: مستوى الدخل، عدد سنوات التعليم، عدد الجامعات، درجة استخدام الكومبيوتر والتعامل مع الإنترنت... إلخ، من مؤشرات التنمية التي رغم أهمية الاستناد إليها والتعاطي معها، فإنها لم تعد كافية للوقوف عند مستوى التنمية البشرية في المجتمعات المختلفة.
فكل مؤشر من المؤشرات السابقة يحتاج لتحليل واسع وعميق، حتى يمكن التيقن من درجة تأثيره مجتمعيا. لنأخذ مثلا استخدام الإنترنت الذي يتطلب التساؤل عن طبيعة أعمار المستخدمين وجنسهم، وطبيعة المواقع التي يستخدمونها، وهل تستخدم الإنترنت من أجل تحقيق أهداف إيجابية أم سلبية؟.. إلخ من التساؤلات التي تكشف عن درجة تأثير الإنترنت والإمكانيات الهائلة المصاحبة لها مجتمعيا.
وإذا كان العديد من مؤشرات التخلف يمكن قياسها كميا، فإن البعض الآخر لا يمكن قياسه ويحتاج لقدرات تنظيرية عميقة، من أجل الوقوف عليها وتحديد أبعادها. واللافت للنظر أن الجانبين الكمي والكيفي للتخلف لا ينفصلان عن بعضهما البعض، فكلاهما يؤدي للآخر ويعمق من حجم تأثيراته.
ومن أبرز الجوانب الكيفية المرتبطة بوضعية التخلف، حالة التبلد التي تصيب قطاعات واسعة من البشر، وهي حالة نتجت عن عقود طويلة من القمع والتدجين الذي يمارسه العديد من السلطات الحاكمة في عالمنا العربي، والتي أوصلت مواطنيها إلى مثل هذه المستويات غير المسبوقة من التبلد والجمود. وتلك حالة ترتبط بوضعية الدولة المهيمنة في عالمنا العربي، وبالتهميش شبه الكامل للمجتمع المدني الفاعل والنشيط.
أوصلت تلك الحالة لشلل مجتمعي شبه تام انتقل من الطبقات الوسطى والنخب الفاعلة إلى شرائح اجتماعية عديدة، وتواصلت إلى ممارسات الحياة اليومية وسلوك الأفراد العادي. ولا ترتبط هذه الحالة بوضعية مرضية لكنها ترتبط بوضعية اجتماعية تجعل كل شيء وكل ممارسة في سياق العادي والمقبول من الأفراد.
ويمكن أن نسوق العديد من الأمثلة المنتشرة في العديد من مجتمعاتنا العربية والتي أصبحت مقبولة ولا تستدعي التفكير فيها: قضايا الفساد والرشوة، حوادث الطرقات والموت شبه اليومي للعديد من الأفراد، فوضى المرور والشوارع، انتشار الجرائم غير المعتادة، التفكك الأسري، الانحلال القيمي والأخلاقي، ضياع القدوة، غياب المعايير اللازمة للتقييم والمحاسبة.
هذه مجرد أمثلة للكيفية التي يتعايش معها البشر في المجتمعات المتخلفة بشكل شبه يومي وبدون أن يصيبهم ذلك باليأس والقنوط أو حتى الاندهاش.
حينما يتحول غير العادي إلى شيء عادي ومقبول لا يستدعي الالتفات والاندهاش منه فإن ذلك يعني أن المجتمع وصل إلى أسوأ حالاته، حيث يعيش بقوة الجغرافيا وبيولوجية البشر بدون أية أطر اجتماعية حقيقية وفاعلة، وبدون أية قوانين وتشريعات فاعلة وملزمة للمواطنين، ويعني أيضا أنها مسألة وقت لحدوث السقوط المرتقب الآتي بلا أدنى شك!!
كاتب مصري
