عند بداية الحرب الأميركية في فيتنام (1965ـ 1975)، كان إجمالي عدد القوات الأميركية التي هبطت على الأرض الفيتنامية أقل من أربعة آلاف جندي. وفي المراحل الأخيرة للحرب كان العدد قد بلغ مستوى أسطوريا.

حيث صعد إلى نصف مليون جندي. ومع ذلك فإن الهزيمة التاريخية الساحقة التي تلقتها الولايات المتحدة على أيدي قوات الثورة الفيتنامية المسلحة، لا تزال تتردد أصداؤها في المجتمع الأميركي جيلا بعد جيل. الآن يتطور الوضع القتالي الأميركي في أرض أفغانستان، بعد ثماني سنوات من الغزو والاحتلال، بما يشبه الدراما الفيتنامية.

مؤخرا وافقت إدارة الرئيس أوباما على إرسال نحو 22 ألف جندي أميركي إلى الميدان الأفغاني. وقبل ذلك ببضعة شهور، كان الرئيس قد أمر بسحب 17 ألف جندي من العراق بغرض إرسالهم أيضا إلى أفغانستان. وبذلك سيرتفع إجمالي عدد القوات الأميركية هناك إلى 68 ألفا.

ومع توالي الهزائم والخسائر البشرية الأميركية على أيدي قوات طالبان، تتواصل طلبات القادة الميدانيين إلى واشنطن لإرسال المزيد تلو المزيد. أحدث هذه الطلبات جاء في الأسبوع الماضي، عندما أعلن الجنرال ستانلي كرستيان قائد القوات الأميركية في أفغانستان، أنه تجب زيادة عدد القوات في سبيل «تحقيق الاستراتيجية الموضوعة».

ولا يسع قارئ التاريخ إلا أن يتفكر في ما إذا كان التاريخ يعيد نفسه.. فالوجود العسكري الأميركي في فيتنام، كان يتضخم وينتفخ على مدى عشر سنوات دموية، مع تواتر طلبات الجنرالات إلى واشنطن.. وكان أبرزهم الجنرال وليام وستمورلاند والجنرال ماكسويل تيلور. ومع هذا التضخم والانتفاخ، كانت نسب القتلى الأميركيين تتصاعد بنفس المعدل.

التاريخ يعيد نفسه، لأن شركات صناعة الأسلحة الأميركية تريد له ذلك. فكلما توسع القتال وطال أمده، كلما ازدادت الخسائر في الطائرات والصواريخ والدبابات والمعدات اللوجستية.

وكلما ارتفعت الخسائر في السلاح، كلما ازدادت تعاقدات شراء الأسلحة بواسطة وزارة الدفاع مع شركات صناعة السلاح، وبذلك تتضخم أرباح هذه الشركات. وبالطبع يكون للجنرالات الميدانيين ووصفائهم الإداريين في وزارة الدفاع، نصيب من الأرباح. مع ذلك فإن الأمر مختلف هذه المرة. فالظرف الراهن غير الظرف الذي جرت فيه الحرب الفيتنامية.

خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، كان الاقتصاد الوطني الأميركي في حالة ازدهار، رغم الانتكاسة التي مني بها بعد الحرب. أما الآن فإن الأزمة الاقتصادية العظمى تضرب جذور البنية الاقتصادية الأميركية، مع عجز تاريخي في الميزانية الاتحادية يناهز تريليون (ألف مليار) دولار. وما خفي أعظم.

opinion@albayan.ae