من يفهم سلوك اليهود جيدا يدرك أن واحدة من سماتهم هي المماطلة وحصر الطرف الآخر في أضيق المساحات بهدف كسب الوقت. وهي سمة تراكمت عبر تاريخ طويل لشعب ظن أنه شعب الله المختار وقتل الأنبياء وحرّف كلام الله وافترى كذبا.
لكن هذا ليس كل شيء قطعا عن اليهود فهم أيضا يعرفون كيف يختارون لأهدافهم الأوقات المناسبة ويمارسون ذلك بوعي تام وتدبير مقصود.
ثمة ذكاء في الأمر ولكن ثمة خبث أيضا وتجرد عن الأخلاق والقيم الإلهية التي أرادها الخالق لعباده حتى يكون الناس أخوة يعيشون على المحبة حتى لو اختلفت دياناتهم ومذاهبهم.
الآن يدور الجدل حول العودة إلى مفاوضات السلام، وتتحرك الجهود الدولية لهذا الهدف، الذي تدور نهايته حول حل الدولتين، بيد أن الذي يحدث بمراقبة الممارسة الإسرائيلية هو نوع من المماطلة التي اتخذت من قضية الاستيطان قشة تتعلق بها لتسويف الوقت ففي الوقت الذي كان فيه العالم يتحدث عن الاستيطان في قطاع غزة ويدينه، سارعت إسرائيل إلى تحريك لعبة جديدة من ألاعيبها تمثلت في موضوع الاستيطان في القدس الشرقية، الذي برز كأنما ليطغى ويغطي على الموضوع الأول، ويتزامن مع ذلك موضوعات أخرى كانت ستأخذ نصيبها لولا أن إسرائيل استخدمت آلتها الإعلامية وأبواقها لتجعل الاستيطان هو الموضوع الأول والأخير.
ونعني بالموضوعات الأخرى الجرائم التي ارتكبت في غزة والتقارير التي خرجت حول هذا الجانب سواء من المنظمات الدولية أو الداخل الإسرائيلي، التي رفضتها تل أبيب دون أدنى مناقشة.
وكأنما المشهد مجموعة من الحلقات التي كلما ظن الإنسان أنه فرغ منها وجد نفسه في حلقة أو متاهة جديدة، وهي لعبة يمارسها اليهود منذ القدم ويمارسونها الآن في الدولة العبرية في إطار علاقتها مع الفلسطينيين ومع العالم بشكل عام، والآن دخلت الولايات المتحدة نفسها وبعض الدول الغربية على خط هذه اللعبة الطويلة التي تبدو كما لو أنها بلا نهاية.
وكمثال على تغافل آثار ما حدث في غزة فقد نبهت الأمم المتحدة وهيئات إنسانية دولية أمس تنشط في القطاع إلى عدم تمكن جهاز التعليم من استقبال السنة الدراسية الجديدة، ويرجع السبب كما هو واضح إلى تداعيات الحصار والحرب التي وقعت في يناير الماضي، حيث تعرضت المدارس للتهديم مثلها مثل عشرات المشاريع والمباني، وهذا يقود إلى افتقاد التعليم إلى البنى الأساسية التي يشتغل عليها ممثلة في المدارس التي تستقبل الطلاب والطالبات خلال السنة الدراسية.
وقد لفت مسؤول دولي وهو منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إلى مشكلات أخرى فيما يتعلق بالعملية التعليمية تتمثل في النقص الحاد في لوازم المدارس، ونتج ذلك جراء عدم سماح إسرائيل بمرور المواد لاستكمال المشاريع وإعادة الأعمار بما في ذلك أدوات ومستلزمات الجانب التعليمي الذي هو لب بناء المستقبل للأجيال القادمة.
وتدرك إسرائيل أن تعطيل التعليم يمثل أحد الجوانب التي يمكن عبرها إدارة الحرب الخفية والجهرية ضد الفلسطنيين والعرب بأن توجد أجيالا لا تفهم ولا تعلم.
ومحصلة هذا الموقف الجلي أن إسرائيل وبعد كل ذلك تريد "قرابين" للسلام وفقا لتعبير عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية، الذي أطلق تصريحاته أمس الأول ردا على جورج ميتشل المبعوث الأمريكي في المنطقة العربية الذي كان قد قال بلهجة واضحة أن الولايات المتحدة تريد تطبيعا كاملا بين العرب وإسرائيل، وإن قال بعدها: لا يشترط أن يتم هذا دفعة واحدة.
ويبدو أن العرب سوف يستمرون في تقديم القرابين لإسرائيل لسلام غير واضح الملامح إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه من أسلوب التدوير غير المجدي، وإذا ما استمر أسلوب الغفلة الذي سرعان ما يُنسي المرء ما كان من قبل ليجد العرب أنفسهم كل يوم هم في "مصيبة" جديدة، بينما يتلهى اليهود فرحا ويتضاحكون سرا على "الأعداء" الذين ألهتهم خلافاتهم وغيبهم شقاقهم الداخلي عن رؤية مشكلتهم الحقيقية وما يجب أن يقوموا به بالضبط من أجل أجيالهم القادمة.
