تستمر اسرائيل في استعمال تكتيك «التدويخ السياسي» مع الفلسطينيين ومع العرب أجمعين. وذلك في مسعى مكشوف لابتزاز الجميع والالتفاف على قرارات الشرعية الدولية وإفراغ الاتفاقيات المربمة من أية مواضيع..

وجرّ العرب بالتالي الى مربع اعطاء الصهاينة السلام والتطبيع مقابل بعض الأوهام.

وإذا اتخذنا مفاوضات السلام التي انطلقت في مدريد مطلع تسعينات القرن الماضي، فإننا نذكر انّها انطلقت وبرسم اميركي بعد تدمير العراق في العدوان الثلاثيني على أساس مبدأ الارض مقابل السلام والقراري 242 و338 ...

ومن رحم هذه المفاوضات التي كانت بالنسبة للعرب بمثابة ضربة سيف في بحر ولدت اتفاقيات أوسلو التي مررها الصهاينة لكسر كل المحظورات والمحرمات ومن ثم انقضواعليها ودكوها دكا لتبقى منها بعض أشلاء سلطة وبعض أوهام دولة ومحميات بشرية بسيطة شبيهة بتلك التي كانت قائمة أيام الميز العنصري في جنوب افريقيا.

بعد هذا جاءت خارطة الطريق واللجنة الرباعية التي اخذت على عاتقها وضع هذه الخارطة موضع التنفيذ فإذا باسرائيل تمزقها مجددا وتلقي بها في سلال مهملات الجهات التي صاغتها... اثرها جاء مؤتمر نيابوليس قبيل رحيل بوش الابن والذي صوروه وطلبوا له على اساس انه ـ المنقذ من المأزق ـ فإذا به يلحق بـ»رؤية بوش» الى غيابات النسيان...

الآن مع مجيء أوباما في واشنطن، وصعود نتنياهو في تل أبيب بات واضحا أننا إزاء مرحلة جديدة من «التدويخ السياسي».. مرحلة يتأرجح فيها العرب بين خطاب جميل حدّ المخادعة من واشنطن، وبين خطاب متصلب حدّ التنفير من تل أبيب... وقد بدا جليا أن هذا الخطاب المزدوج يحتوى على مخاتلة كبرى يراد من خلالها خداع العرب ـ مرة أخرى ـ ، وإعطاء اسرائيل التطبيع هذه المرة مقابل حفنة أوهام وليس مقابل سلام.. فقد غاب في خطاب حكومة نتيناهو أي أثر للارض مقابل السلام او قرارات الشرعية الدولية..

بل بالعكس حضرت المزيد من سياسات التهويد والتمدد الاستيطاني ليصبح الحديث كله يدور حول وقف «التمدد» الاستيطاني وليس الاستيطان مقابل اقدام العرب على تطبيع علاقاتهم مع اسرائيل..

وبذلك تتغير قواعد اللعبة من «الارض مقابل السلام» ومن «السلام مقابل التطبيع» إلى «التطبيع مقابل وقف التمطط الاستيطاني»!!

بالمحصلة فان المطلوب من العرب ـ امريكيا واسرائيليا ـ هو قفرة في الهواء.. قفرة تفضي الى تطبيع علاقات الكيان الصهيوني مع محيطه العربي مقابل وقف البناء في المستوطنات.. أما الحديث عن المستوطنات القائمة في الارض الفلسطينية وعن تهويد القدس وعن جدار الفصل العنصري فذلك حديث بات محرما في القاموس الصهيوني لأنّه استبدل بالحديث عن «توسيع المستوطنات فقط..

وهو حديث «تنوب» فيه الادارة الاميركية عن العرب.. فتتكلم باسمهم وتمنح الصهاينة رخص البناء في المستوطنات.. على طريقة «من لا يملك يعطي لمن لا يستحق»!

أين الحقوق الوطنية الفلسطينية وأين الحقوق العربية وسط كل هذا؟ رجاؤنا أن ينتبه العرب قبل ان يحرقوا اخر مراكبهم... مقابل حفنة من الاوهام ومن السراب.