هجمة دبلوماسية كبيرة أمريكية على المنطقة وزراء ومندوبون وخبراء يحاورون على نقاط حساسة ومعقدة، ومع أن المنطقة شهدت نصف قرن من الاتصالات التي لم تنقطع، وأن المعلومات الموجودة في الأرشيف الأمريكي حول الحروب والسلام، وحالات الاستقطاب أثناء صراع الجباريْن فإن الحروب والانقلابات، نجد الأصابع الأمريكية موجودة وغير مستترة في صلب هذه الأحداث..

الفريق المتواجد الآن، هل يريد جمع معلومات تُبنى عليها انطلاقات دبلوماسيةِ أوباما الذي قد لا يثق بتلك الطروحات وخطواتها المتعرجة، أم أنه يريد استطلاع الآراء وفيما إذا تغيرت المواقف والأدوار؟

في كل الأحوال الأمور لم تتغير، فهناك عجز عربي في مواجهة الذات والآخر، والدليل أنه باستثناء المشروع العربي للسلام، لا توجد طروحات أو استراتيجيات واضحة تحدد المهام التي يريدها العرب من كل الأطراف، وعلى الوجه الآخر تنتقل سياسة إسرائيل وقياداتها من متطرف لآخر مستفيدة من الأزمة الداخلية الفلسطينية ، والشتات العربي والتأييد الأمريكي.

لكن مع هذه الأحوال المتردية، إذا كانت إسرائيل تريد أن تكون داخل نسيج المنطقة، فإن أساليب الإثارة والتحدي ورؤية العرب كمجاميع هامشية لا تستطيع أن تكون مفيدة لنفسها والعالم، تجعل التحدي المقابل يفتش عن المنافذ التي تجعل الخصم لا يستريح حتى لو حصل على أقوى الأسلحة، وأعلى التقنيات لأن الإنسان، حتى في أسوأ حالات التخلف ، يملك الطاقات التي تؤذي خصومه، وإسرائيل عجزت عن أن تهزم المقاومين بالحجارة، واخترعت السور العازل لصد حالات الاستشهاد الفلسطيني، وحولت جنوب لبنان من مسرح لساديتها إلى مقاومة حزب الله، ثم جاءت بفرضيات نشوء القاعدة، وما قد يرافقها من قوى وعناصر لديها الاستعداد للتضحية حتى بالأساليب العمياء التي لا ترى أبعد من أنوفها..

وإذا كانت أمريكا معنية بقفل أخطر الملفات فعليها أن تدرك أن الصراع يمكن أن يبقى لسنوات طويلة، وستبقى الخسائر مزدوجة، وأن مراكز القوى سوف تتغير ومعها فرضية التغيير في العالم كله بما في ذلك هذه المنطقة، ولعل المشكلة ليست في تدوير الصياغات والكلمات والمواقف، وإنما بصدق النوايا والتصميم على طرح المواقف بوضوح تام، لأن الشكوك في السياسة الأمريكية قائمة حتى مع حالات الانفراج التي أعطاها الرئيس أوباما..

إسرائيل لا تعرف إلا خط التشدد، وقد قوّى عضلاتها العسكرية والسياسية السلوكُ الأمريكي الثابت على سياسة الانحياز لها والإقرار بكل تصرفاتها، ومن هنا تأتي صعوبة كسر الحاجز الإسرائيلي إلا بتوازن المصالح التي تعطي لأمريكا القدرة على التصرف الموضوعي..

فنحن لا نطالبها بالمقاطعة للحليف، ولا محاربته عسكرياً واقتصادياً لأن ذلك من المستحيلات ولكن بفهم طبيعة الأزمة والتعاطي معها بأسلوب تحقيق المكاسب لكل الأطراف، وإلا فالعرب مثلما جلسوا على أكثر من طاولة وخرجوا بأصفار على الشمال، قد يبقون على نفس النهج إلا إذا وجد من يصحح الأخطاء ويعطي للكلمة والموقف مدلولهما الصحيح..