هل تتذكرون تلك المقولة؟.. «إننا كنا في نهضة فيما أوروبا تغرق في ظلام العصور الوسطى..».
كل الكتب المدرسية في كل البلدان العربية تضم بين صفحاتها هذه المقولة، لكن هذه المقولة ليست مقولة مدرسية، بل هي ركيزة حية ومتجددة لذهنية عربية وإسلامية لا تزال تتتجدد وتترى من وقت لآخر، متجاوزة الأيديولوجيا ومدارسها والسياسة وتقلباتها.. من النهضويين الأوائل إلى القوميين وحتى الإسلاميين، ما من شعور متأصل يحرك العرب، أكثر من هذا الشعور الطاغي بالإذلال والمهانة الكامن في تلك المقولة، وهي تستدعي المقارنة في أكثر صورها كثافة: «كنا.. وأصبحنا».
وإذ كانت هذه المقولة/ الأسطورة قد صاغت شعورا عارما بالتحدي لدى النهضويين الأوائل مطلع القرن العشرين الماضي، فهم لم يفعلوا أكثر من الاستجابة للتحدي الذي تفرضه.
فالتبشير بالحداثة والسعي والنضال من أجلها، هي ما حرك أجيالاً من النهضويين العرب في البلدان العربية الكبرى، مثل مصر والشام والعراق والمغرب العربي وحتى في الأطراف.
وإلى هذا الإحساس العميق بالتحدي والتعامل معه، يمكننا أن ننسب ذلك المخاض الطويل وإنجازات حركة التحديث والنهضة في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. جاءت حقبة الفكر القومي لتعطي زخما جديدا.
لكن الإخفاقات السياسية سحبت نفسها على مجمل تجربة الحداثة ذاتها، لكن للمفارقة في أكثر ميادينها الحيوية التي كان من شأنها أن تحررنا من وطأة تلك المقارنة بين «ما كنا وما أصبحنا عليه». فالنهضة ليست أفكارا مجردة أو مناظرات فكرية وازدهارا ثقافيا ودمقرطة فحسب، بل إنها تتصل أكثر بالإنتاج عموما، وخصوصا في الميدان الاقتصادي والتطور العلمي.
إن الأمر ينطوي على مفارقة، فقد يسجل لنا التاريخ أن اليابانيين عندما شرعوا في تلمس الحداثة، أرسلوا وفودا إلى مصر في عهد محمد علي باشا لكي يدرسوا التجربة المصرية. ومن هذه الواقعة سيتضح الفارق حتما.
ففي الوقت الذي استمرت تجربة التحديث اليابانية في نموها الطبيعي، فإن تجربة التحديث العربية تعرضت للانتكاس وتاليا النكوص. لقد ضربت تجربة محمد علي من قبل القوى الاستعمارية (بريطانيا، فرنسا)، لكن العبرة كانت أن أسس النهضة والتحديث التي وضعها محمد علي كانت موجودة وقائمة، ولم يكن مطلوبا إلا أن يواصل خلفاؤه المهمة.
يشار إلى تجربة جمال عبد الناصر باعتبارها المحاولة التاريخية الثانية للتحديث في التاريخ المصري الحديث، لكن المشكلة أن الحكم على تلك التجربة انطلق من الحكم على الإخفاقات السياسية ليسحبها على كامل التجربة، وخصوصا في ميدان التصنيع.
لقد تم هجاء نموذج التصنيع والاكتفاء الذاتي الذي حاول عبد الناصر بناءه، فمنذ النصف الثاني من السبعينات وطيلة عقد الثمانينات ومع طفرات أسعار النفط، تعرضت تجربة التصنيع إلى هجاء مرير، من قبل النخب الحاكمة المغتبطة بفوائض النفط والخبراء الاقتصاديين الذين يصورون التصنيع باعتباره خيارا أيديولوجيا، لا لسبب سوى أنه يذكرهم بالنموذج السوفيتي وبتجربة الأنظمة العسكرية في البلدان العربية.
المفارقة أن أحدا لم يلتفت إلى ما كان يجري في الهند مثلا، بالتزامن مع ما كان يجري في مصر في ظل عبد الناصر. ففي الهند كان جواهر لال نهرو يوالي بناء أسس النهضة الاقتصادية في الهند، بنفس المقاربات التي كان ينتهجها عبد الناصر.
أسس معاهد الإدارة والتكنولوجيا في الهند وسط سخرية من حوله، وباشر بناء المصانع في أكثر من ميدان، بل وبلغ طموح المؤسسين الثلاثة لحركة عدم الانحياز، عبد الناصر ونهرو وتيتو، ذروته عندما اتفق الثلاثة على بناء مقاتلة حربية مشتركة (القاهرة 300)، انطلقت فعلا في طيران تجريبي عام 1964.
كانت التجربتان في مصر والهند تسيران متزامنتين، لكن تجربة عبد الناصر تم النكوص عنها وتعرضت للهجاء، وباتت بالنسبة للمنظرين الاقتصاديين الذين ظهروا في الثمانينات، نموذجا فاشلا.
لكن في الهند مضت التجربة تنمو بشكل طبيعي، ولم يدر في خلد كل هؤلاء المنظرين والخبراء الاقتصاديين، أن النمو الهائل الذي أصبح الاقتصاد الهندي يحققه منذ أواخر التسعينات بمعدلات تصل إلى 9 و11%، إنما يعود لجيل من الاقتصاديين والإداريين الهنود، الذين تخرجوا من معاهد الإدارة التي بناها نهرو في الخمسينات من القرن الماضي. ترجمة هذا: النمو الطبيعي جاء بثماره في النهاية.
ماذا بشر به المنظرون الاقتصاديون العرب في الثمانينات بعد الهجاء المرير لنموذج التصنيع؟ هل رأيتم أكثر من المضاربات؟ نمو اقتصادي بأكمله قائم على المضاربات، من العقار إلى محافظ الاستثمار، لم يكن لدى منظري الاقتصاد والخبراء المتحدثين في آلاف المؤتمرات في بلداننا العربية، من بديل عن التصنيع سوى المضاربات، وها هي الأزمة المالية العالمية تكشف جوهر ما كان يدعونه ازدهارا اقتصاديا طيلة السنوات الماضية، ازدهار لم يكن مبنياً إلا على المضاربات في العقار وبيع القروض والصناديق الاستثمارية.
جل أولئك المنظرين الاقتصاديين لم يتوقفوا أمام حقيقة أخرى غابت عنهم أو تناسوها. إن خيار التصنيع والاعتماد على الذات في مصر مثلا، لم يكن ابتكارا اخترعه عبد الناصر، بل طبقة كاملة من البورجوازية المصرية قبل عبدالناصر بعقود طويلة، من مصانع النسيج، إلى الصناعات الغذائية الصغيرة والمنتجات الصناعية، كانت طبقة الرأسماليين المصريين في ذلك الوقت تفكر (بوعي مسبق أو بدونه)، من وحي جرعة التحدي التي تمثلها تلك الحقيقة التاريخية: «كنا واصحبنا».
ولم يكن الأمر يحتاج إلا إلى اقتصادي مثل طلعت حرب، لكي يقدم النموذج الأمثل للتعامل مع تلك الحقيقة التي تجسدها المقولة التي نجترها ليل نهار.
فطلعت حرب، بدلا من الاستسلام لحال التأسي والتبجح بما كنا عليه، لم يفعل سوى أن حول التحدي الكامن في تلك العبارة إلى فعل حقيقي يستند إلى رؤية: أسس بنك مصر بتبرعات من المصريين، وبنى المصانع وأسس استوديو مصر ليصنع، في وقت كانت فيه شركات الإنتاج الأجنبية هي التي تنتج غالبية الأفلام المصرية وقتذاك.
كان رجلا ذا رؤية وليس مضاربا، ولهذا فقط فإن الأسس التي بناها واصلت نموها الطبيعي وتطورت حتى اليوم.
كاتب وصحافي بحريني
