مخطئ من يظن أن الإنسان، في أي مكان، سيرتدع من ذاته عن فعل الخطأ. لابد من أنظمة وقوانين وأجهزة تنفيذية، تمارس أدوارها في الردع وإنزال العقوبة. تلك هي الحقيقة التي انبثقت منها مقولة «من أمن العقوبة أساء الأدب».
أتذكر أنني كنت يوماً أقف عند إشارة المشاة في أحد شوارع مدينة بوسطن، فرأيت سيارة مسرعة تقطع إشارة المرور، ولم تمر دقائق قليلة حتى شاهدت أكثر من سيارة مرور تحاصر «قاطع الإشارة». لم يغب المشهد عن ذاكرتي، حتى إنني حدثت بعض أصدقائي يوماً أن مشهد سيارات الأمن وهي تحاصر السيارة التي قطعت الإشارة في بوسطن، لا يشبهه إلا مشهد سيارات ومدرعات الجيش والداخلية، إذا ما اكتشفت خلية إرهابية في أي بلد عربي.
تهديد سلامة وأمن المواطن في بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية، لا يقل خطورة عن تهديد أمن وسلامة الدولة! ما بال أجهزة الأمن، في أي بلد عربي، تقوم قائمتها ولا تقعد، إن أطلق إرهابي أحمق رصاصة في السماء، فيما تترك تلك الأجهزة الحبل على الغارب لأولئك الذين يسرحون ويمرحون في شوارعنا قتلا وذعرا وفوضى، يسفكون دماء الأبرياء بالآلاف سنوياً، دون عقوبة رادعة أو إنصاف للضحايا؟ ومتى نحرص ـ كمجتمع ـ على تطبيق أقسى العقوبات على المستهترين بأرواح وسلامة الإنسان في مدننا وطرقنا وشوارعنا؟
أستعيد هذه الحقيقة هنا.. في بلد مثل الولايات المتحدة الأميركية، لديك طريقتان كي تكون إنسانا «متحضراً» في سلوكك خارج بيتك: فإما أن تؤمن ـ عن قناعة حقيقية ـ بأهمية أن تكون إنساناً حضارياً في تعاملك مع الآخرين، أو أن يفرض عليك النظام الصارم الذي لا يساوم أو يهادن أو يجامل، أن تصبح حضارياً غصباً عنك وعمّن حولك.
المبدأ أن تحترم إشارة المرور قناعة بالمبدأ نفسه. لكنك إن غلبت عليك غطرستك أو جاهليتك، وعرضت حياة الناس للخطر بتجاوزك للنظام، فإنني أعدك أن قيادتك للسيارة بعدها ستصبح كابوسك اليومي.
النظام والعقوبة الصارمة سيفرضان عليك أن تتعامل ـ مستقبلاً ـ برؤية وسلوك حضاريين. وأنت هنا لست مخيراً بين أن تكون إنساناً حضارياً في قيادتك لسيارتك أو أن تكون همجياً تهدد أمن وسلامة الناس في الشوارع، ثم إن دفعت أسرة كاملة حياتها ثمناً لحماقتك واستهتارك، تخرج منها في أقل من أسبوع وتحال معاملتك ـ مع آلاف مثلها ـ ضمن ملفات «القضاء والقدر» أو «تنازل لوجه الله» ووساطات القبيلة وأهل الخير!
هكذا نجحت البلدان المتقدمة في ضبط السلوك العام على الطرقات الطويلة وداخل المدن الكبيرة والصغيرة. صحيح أن البعد الثقافي لشعوب تلك البلدان يلعب دوره في تأسيس ثقافة احترام الحياة، وتهذيب نظرة وسلوك مواطنيها في تعاملهم مع قيادة السيارة، لكن تطبيق الأنظمة التي تحدد عملياً ذلك السلوك وتفرض أقصى العقوبات على من يستهتر بحياة الناس، لا يقل أهمية في خلق سلوك عام آمن على الطرقات والشوارع.
أين نحن من تلك الجرائم اليومية التي تمارس عياناً بياناً في شوارعنا، على طرق الموت البعيدة، أو داخل المدن والقرى؟ أكاد أجزم أنه لا توجد مسافة مقدارها عشرة كيلومترات على أي طريق إسفلتي في كثير من البلدان العربية، لم ترق فوقها الدماء في حوادث سير. وأكاد أجزم أن المئات من شبابنا المتهور في قيادته للسيارة، سيرتدع لو فعلاً خشي العقوبة التي لن تسقطها واسطة أو شفاعة أو فزعة من أبناء العشيرة والقبيلة.
في زيارة سريعة لأبها قبل أيام، صعقت لرؤية العشرات من المراهقين المتهورين، خاصة على طريق أبها ـ الخميس، من أولئك الذين يقودون سياراتهم ـ أو سيارات آبائهم ـ بطرق أجزم أنها لو كانت في مكان يحترم حياة الإنسان لأدخلوا جميعهم السجن، ولسحبت رخص القيادة من جيوبهم، هذا إن كانوا فعلاً يحملون رخص قيادة حقيقية!
أي جنون هذا الذي يمارس على شوارعنا؟ ومتى نستيقظ جميعنا وندرك هذا الهدر المخيف في الأرواح والوقت والجهد، بسبب هذه «الثقافة» المتهورة في نظرتنا لحوادث السيارات في بلادنا؟ وإن كانت أجهزة الأمن في البلدان العربية قد نجحت في حربها ضد الإرهاب وخلاياه الحية والنائمة، فما الذي يعيق أجهزة المرور أن تحقق نجاحاً مماثلا في مواجهة خطر الموت والدمار على طرقنا؟
في بعض المجالس السعودية هذه الأيام، يدور جدل حول فكرة نشر كاميرات تراقب السرعة وتسجل مخالفات قطّاع الإشارات ومتجاوزي السرعة، وأشهد أن ذلك مشروع ضروري، ليته يبدأ اليوم وليس غداً. لكن يظل ملحاً أن نسأل عن كيفية إنزال العقوبة ـ وفقاً للأنظمة والقوانين ـ على أولئك المخالفين؟
لقد نجحت كاميرات المراقبة في دبي ـ على سبيل المثال ـ في ضبط المخالفات المرورية، وتحققت خطط المرور في دبي حينما باشرت الأجهزة الأمنية تطبيق النظام (دون استثناءات أو مجاملات)، حتى أصبحت دبي اليوم من أكثر المدن أمناً مرورياً وانضباطاً. إذن المسألة ليست مرتبطة فقط بوعي الناس وثقافتها.
ولكنها أيضاً (وهذا الجانب أكثر أهمية في هذه المرحلة من عمر التنمية البشرية في عالمنا العربي) مرتبطة بشكل وثيق، بفرض النظام وتطبيق العقوبات على مخالفي قواعد وأصول القيادة. فالسائق ـ متهوراً كان أم عاقلاً ـ سيحسب ألف حساب لقيادته، وسيكون شديد اليقظة والانتباه، حينما يعرف جيداً أنه سيقضي عقوبة سجن طويلة إن تسبب في إعاقة إنسان آخر، وسيدفع مبلغاً مالياً مع السجن، وإلغاء رخصة القيادة إن قطع الإشارة أو تجاوز السرعة.
وأكاد أيضاً أجزم أن متهوري طريق مثل طريق أبها ـ الخميس، سيفيقون من حماقاتهم إن طبقت الأنظمة ورفض القانون وساطة القبيلة وشفاعتها في حوادث السير القاتلة، على ذلك الطريق وغيره من «طرق الموت» في الوطن العربي.
كاتب ومستشار إعلامي