إن الطريقة التي تتعامل بها الإدارة الأميركية الحالية مع قضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي، حيث بدأت علامات النكوص وتراجع الحماس عن الشعارات الرنانة التي رفعتها بُعيْد مجيئها بأنها عازمة على حل هذا الصراع على أساس حل الدولتين، ثم تأكيد الرئيس الأميركي باراك أوباما عزمه تبديد الأجواء المتوترة التي صنعتها الإدارة السابقة مع العرب والمسلمين، تكشف هذه الطريقة عن أحد أمرين:
أولهما أن الإدارة الأميركية لم تستطع مقاومة ضغوط جماعات الضغط الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة وأوروبا، وبالتالي عجزها عن مقاومة السياسات المعاكسة لمساعي السلام التي تمارسها وتفرضها الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، والعجز عن إزالة المتاريس من طريق التسوية، ولذلك بدت كمن يربت على كتف الطفل ويحاول أن يلبي له مطالبه من أجل أن ينقاد له ويوقف عناده.
وثانيهما: أن الإدارة الأميركية تمارس دور المموه للسياسات الإسرائيلية، بحيث تدعي موقفًا يتوافق مع مطالب العرب والفلسطينيين وتقوم الحكومة الإسرائيلية المتطرفة بإعلان موقف مغاير ورافض له يترافق معه خلق وقائع على الأرض.
المبعوث الأميركي الخاص بالشرق الأوسط جورج ميتشل في خامس جولة له إلى المنطقة بدأ يكشف عن هذه السياسة الأميركية غير الواضحة، حيث في كل مرة يأتي فيها يطالب العرب بما يسميه (خطوات إيجابية) تجاه إسرائيل من أجل وقف عقبة السلام الحقيقية وهي الاستيطان أو تجميدها.
ولم يقف أمر المطالبة بالتطبيع عند ميتشل، بل إن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون طالبت أيضًا العرب بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهذه المطالب لا تحمل معنى تليين الموقف الإسرائيلي المتعنت من وقف ما يسميه القادة الإسرائيليون (النمو الطبيعي للمستوطنات)، ونكوص الإدارة الأميركية عن ما أعلنت التزامها به فحسب، وإنما يشي بانهيار شامل في خطوات ما يسمى عملية السلام، وانعدام حتى فرص العودة إلى المربع الصفر والبدء من جديد، لأن ثمة واقعًا جديدًا قد تم فرضه رغم أنف الجميع، ولن يكون باستطاعة العرب والفلسطينيين تغييره.
ميتشل حجته في مطالبة العرب بالتطبيع مع إسرائيل إيجاد بيئة مواتية لمفاوضات السلام الشامل مع إسرائيل، ونسي أو تناسى أن البيئة المواتية والمناسبة جدًّا جدًّا قد أوجدها العرب منذ العام 2002 في قمة بيروت بتبنيهم مبادرة السلام العربية التي تلزم العرب جميعًا بتطبيع العلاقات مع إسرائيل التي ما عليها سوى الانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها عام 1967.
فهل يعقل أن تطالب الإدارة الأميركية العرب بمكافأة إسرائيل على سياستها الرافضة للحل والسلام؟ فهل تريد الإدارة الأميركية أن تُكافأ إسرائيل على تهويدها لمدينة القدس المحتلة وعلى حفرياتها المهددة بانهيار الحرم القدسي، وعلى إزالة قرى فلسطينية بأكملها وهدم منازلها واقتلاع سكانها الفلسطينيين منها وتهجيرهم؟ أم تُكافأ على رفضها وقف الاستيطان ومطالبتها العرب والفلسطينيين بالاعتراف بيهودية إسرائيل، ورفضها رفع الحصار الظالم عن قطاع غزة؟ إنها قسمة ضيزى.
إن على الإدارة الأميركية أن تكون واضحة في رعايتها لما يسمى عملية السلام، فإما أن تقول وتفعل خيرًا، أو تصمت، أو تفصح عن نواياها الحقيقية تجاه الصراع برمته، بدلاً من سياسة الغموض والمخادعة، وعلى العرب والفلسطينيين الذين رأوا في الإدارة الأميركية الحالية فأل خير وتوجُّهًا مغايرًا عن توجه الإدارة الأميركية السابقة أن يكونوا أكثر دراية وحرصًا، وأن ينتبهوا إلى أن ما يتم الآن هو وفق الالتزام الأميركي ـ الأوروبي بأمن إسرائيل، وليس من أجل إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني وقيام دولته المستقلة.
