لهاجس الأمني الذي يطلّ بظلاله القاتمة على أرجاء لبنان، وأحيانا على غيره من الدول العربية بين وقت وآخر، يدعو لوقفة جدية وتمعّن دقيق في الحد الأدنى. فالظروف التي تمر بها المنطقة ليست سهلة، بل قد تحمل في طيّاتها معالم تطورات في غاية الأهمية هي حاليا طور الاستكمال والنمو، لا سيما أن الأهداف المرسومة لها قد تعتبر استراتيجية بكل معنى الكلمة.

ولا شك أن لبنان المتواجد الآن في خضم معركته المتواصلة والمملة لبناء وطن، واستطرادا في معركته التالية المتجددة للمّ الشمل الطائفي المتبعثر، هو الأكثر عرضة لهذه الهواجس الأمنية المختلفة، انطلاقا من مجموعة عوامل وضعته عن قصد أو بغير قصد في قلب معركة التطورات الإقليمية المذكورة.

وهذا أمر ليس مبالغا فيه إطلاقا، فأحداث الأشهر والأيام الأخيرة التي أدّت إلى كشف شبكات تجسس وعصابات إرهاب وما شابه، أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن لبنان الذي يصر بعض أبنائه على أن يبقى صمام الأمان أو فتيل الانفجار للساحة الإقليمية، هو اليوم أكثر من أي وقت مضى ساحة عارية ومفتوحة كليا للصراع الأمني ـ المخابراتي بشتى أشكاله.

هذا يعني في الحد الأدنى أنه مستهدف، ليس فقط في مشروعه المقاوم للاحتلال والذي لم يعد مشروعا شعبيا شاملا كما في السابق، بل كذلك في سيادته وأمنه واستقراره، بغض النظر عن الجهة التي تتولى عملية الاستهداف وما إذا كانت محسوبة على «العدو» أو «الصديق».

انطلاقا من هذه الحقائق الأمنية الخطيرة، تبرز أمامنا جدية الاستحقاق المرتبط بالملف الحكومي والتقسيمات المختلفة ضمن هيكليتها العتيدة، وفق منطق الحصص اللبنانية الفريدة الذي يصر على صهر الحاكم والمعارض في بوتقة واحدة، تظل غير مفهومة الأبعاد والتوجهات. فالحاكم يبقى وفق هذه التركيبة اللبنانية حاكما من حيث تفوقه بعدد الوزراء كما تمليه نتائج الانتخابات الديمقراطية، في حين يُسمح «للمعارض» أن يبقى متسلّطا على الحاكم من خلال انتقاداته، برغم مشاركته في نفس الحكومة بعدد آخر من الوزراء.

هذا الواقع اللبناني «الفريد» حتما سينعكس بالتالي على التشكيلات الوزارية وما سيأتي بعدها من تشكيلات للفئة الأولى، أمنية كانت أم دبلوماسية أم غيرها. وإن دل ذلك على شيء فإنه يدل على عمق الأزمة التي يتخبط فيها لبنان على صعيد مشروع بناء الدولة، لأن كل هذه التقسيمات لا تجسد في واقع الأمر سوى مزيد من الشرخ المؤسساتي الذي يضعف قدرات لبنان بشكل كبير.

وأقول هذا انطلاقا من بعض التجارب الصارخة في انحيازها إلى البُعد الطائفي لا الوطني، والتي بيّنت بوضوح تام أن الانتماء المريض والناقص لا يعكس إلا عملا فاشلا، وبالتالي مزيدا من التقهقر والانهزام لصالح مؤسسات عليلة، ليست قادرة بأي شكل من الأشكال على مواجهة التحديات الكثيرة الماثلة.

هذا ينعكس حتما على العمل الأمني الوطني، لكن أيضا على الأداء الدبلوماسي الشامل الذي يعتبر عن حق بوابة الوطن الخارجية وحصنه المنيع في وجه الاختراقات المختلفة. ومن هنا، يحق للبعض أن يستغربوا كيفية تعامل المؤسسات الأم مع بعض التجارب المؤلمة لبعض الدبلوماسيين في الخارج، أو غيرهم من موظفي الفئة الأولى في الداخل، حيث يكون الانتماء الطائفي والمحسوبي لاحقا، هو حجر الزاوية في علاقة هذا الموظف مع مسؤوليه في المؤسسة المعنية.

مثال على ذلك، هو أحد الدبلوماسيين الذي أعيد مؤخرا إلى الوطن بسبب فضائحه التي عبقت روائحها في أرجاء البلد الذي كان يتواجد فيه. فبدلا من أن يلقى ذلك الموظف محاسبة موضوعية وسليمة تجعل منه عبرة لغيره، تم تسليمه منصبا رفيعا في المؤسسة بسبب عدم توفر شخص آخر من الطائفة الكريمة التي ينتمي إليها لكي يتسلم المنصب المذكور! كل رصيد ذلك الشخص هو أنه محسوب على أحد الزعماء السياسيين الفاعلين.. لا أكثر ولا أقل.

هذه الممارسات تساهم في تعميق الأزمة المرتبطة بالعمل المؤسساتي، وتنسحب بلا شك على الحصانة الأمنية للوطن برمّته. فهؤلاء الأشخاص المتقوقعون في دوائرهم الطائفية، غير آبهين حتما بسلامة الوطن، ولا بعملية بناء درعه الحصين، لأن جلّ اهتمامهم موجّه نحو أولويات أخرى بعيدة كليا عن الأهداف السامية التي ابتُعثوا من أجلها إلى الخارج. بكل بساطة، إن اهتمامهم محصور على ما يبدو في أمور محض أنانية، لا علاقة لها بهيبة الدولة التي يمثل، ولا برقي السلك الذي ينتمي إليه.

هذه الأمثلة قد تكون آنية اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل ما يتناهى إلى مسامعنا حاليا عن عمليات الاختراق الأمني الذي تمارسه أجهزة دول تعتبر نفسها (صديقة) لنا، بحجة الدفاع عن أمنها وسيادتها. ولقد بيّنت تجارب كثيرة، ومنها ما تم كشفه مؤخرا في إحدى الدول الاشتراكية السابقة، أن عمق الاختراق المذكور خطير جدا، لدرجة أنه شمل موظفين في سفارات عربية كثيرة، بالإضافة لآخرين يعملون في مجالات مختلفة.

هذا حال الصديق، فما بالك بالعدو إذن!

لا أود بالطبع تضخيم أهمية ما كُشف، لأنه لم يصدر عن مصدر رسمي، لكن مجرد صدور معلومات مثل هذه، يدل على حجم الاهتمام الذي توليه الأجهزة الأمنية للمؤسسات العربية المختلفة، واستخدامها الثغرات المتوفرة للتغلغل إلى قلبها وتفاصيلها كافة. وأهم تلك الثغرات يتمثل بالطبع في تلكؤ القائمين عليها وتقاعسهم العملي والوظائفي، وربما في ضعف انتمائهم الوطني أيضا.

بكل بساطة، إن المطلوب في هذه المرحلة الحساسة هو زرع بذرة سليمة تساهم في التأسيس لمرحلة جديدة ونوعية من التعامل بين الفرقاء في الوطن، المبالغين حاليا في انقسامهم وتشتتهم. فالذي تحت المرمى أو في الرهان حاليا هو الوطن بأكمله.. لا هذه الطائفة ولا تلك.

كاتب لبناني