منذ انتهاء الحرب الباردة، توجهت الأنظار الغربية إلى العالم الإسلامي كقوة منافسة ومناوئة للحضارة والديمقراطية الغربية. ما يشجع القوى الغربية على المضي قدماً لضرب مصالح والعبث بمصائر المسلمين، هو ضعف حال الأخيرين وتدني قدرتهم على التصدي للقرارات والإملاءات الخارجية.
لكن العالم الإسلامي قوي التأثير نسبياً للاستفادة منه في اتجاهات أخرى، سياسية واقتصادية ومعنوية، بالذات ضد دول أخرى مثل الصين واليابان وروسيا والهند. إضافةً إلى أنه من السهولة بمكان خلق نوع من التوتر بين العالم الإسلامي والكتل البشرية الأخرى، عن طريق العزف على وتر الدين والعقائد.
الصين في المقابل دولة عظمى، بل عملاق ديمغرافياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسياً. منذ ما يقارب القرن من الزمان تحاول القوى الغربية ضرب الوحدة البشرية الطبيعية للصين. تتعارض التطلعات والطموحات الغربية العامة مع النظام السياسي الشيوعي الاشتراكي الصيني.
الاقتصاد الصيني يجمع بين ميزات قادمة من تطبيق النظام الاشتراكي من جهة، إضافةً إلى تشجيع الشركات الرأسمالية والسوق الحر اتجاه الاستثمارات من جهة أخرى. هذا بالإضافة إلى طبيعة شعبية بشرية جدية ملتزمة، مما يجعل الاقتصاد الصيني قادراً على تحدي الاقتصاد العالمي عموماً والغربي خصوصاً، بشكل مؤثر.
المحاولات الغربية لاحتواء، بل ضرب الصين والعالم الإسلامي بشكل «مزدوج»، مستمرة وحالياً بشكل حثيث. عدد سكان الصين يساوي تقريباً عدد المسلمين في كافة أنحاء العالم، أي زهاء المليار وربع المليار. يؤمّن العالم الإسلامي سوقاً مزدهرة للمنتجات الصينية وبشكل مستقر وقابل للتطوير على الدوام.
العلاقات الصينية ـ الإسلامية على الدوام تتراوح بين الجيدة والممتازة. عادةً ما وقفت الصين سياسياً ضد الهرطقات الإمبريالية الغربية الطائشة في التعامل مع القضايا الدولية، وبالذات العربية والإسلامية. في مقدمة تلك القضايا ما يختص بفلسطين والعراق والسودان وإيران وغيرها.
الطريق لزعزعة الثقة المتبادلة بين العالم الإسلامي والصين، يمر من باب المشاعر الدينية شديدة الحساسية عند المسلمين في كافة أنحاء العالم. هنالك أقلية عرقية صينية مسلمة تعيش في حالة وئام وسلام، في بحر أو محيط مكوّن من أغلبية تدين بالعقيدة البوذية. أقلية «اليوجور» في إقليم «شينج يانج» لم يُسمع بها من قبل على هذا النطاق الواسع الساطع.
هذه الطائفة تمارس طقوسها الدينية ضمن نظام وقانون عام، شأنه شأن أي نظام سياسي آخر. الآن تحاول هذه الفئة الانفصال والاستقلال عن الصين وتهديد الوحدة الوطنية للصين بأكملها. ذلك ما يؤلّب الصينيين وطنياً وقومياً وعقائدياً، ضد تلك الأقلية المسلمة ومن يدعمها أو يتعاطف معها في الداخل والخارج.
إذن فالتعامل مع قضية إقليم «شينغ يانج» بهذه الطريقة الغوغائية من فعل ورد فعل، يضرب عصفورين كبيرين، الصين والمسلمين، بحجر صغير واحد، لمصلحة القوى العالمية المتربصة شراً بالطرفين.
توقيت حدوث اضطرابات إثنية عرقية، يأتي متزامناً مع اشتداد إخفاقات حرب الإدارة الأميركية على ما يسمى ب«الإرهاب الإسلامي». السياسة الأميركية تفشل وتتراجع كل يوم، في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان وباكستان وغيرها من مواقع العالم الساخنة، بفعل ما يسمى «الحرب على الإرهاب».
نتائج الحرب الأميركية هذه، دمار هنا وخسائر بشرية هناك وكوارث اقتصادية وبيئية وسياسية، وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي. الإدارة الأميركية بحاجة ماسة إلى من ينيب عنها في تقديم التضحيات البشرية والمادية والمعنوية والسياسية. في ذلك فالكتلتان الصينية والإسلامية هما الأكثر ترشيحاً لتقديم هذه الخدمة الجليلة.
اختيرت الأقلية المسلمة في الصين لبدء شرارة الصدام والتوتير بين العملاقين البشريين في التعداد، ولكن ليس في القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية. من الممكن أن يتخذ التوتر أشكالاً نفسيةً ومعنويةً واقتصاديةً وسياسيةً، بالدرجة الأولى! ثم اختيرت الناطقة باسم «التمرد الإسلامي» في الصين امرأة باسمٍ إسلامي عربي شديد الوضوح، «ربيعة أو رابعة قدير»، حيث الاسم تاريخي عريق وحرفا «العين والقاف» عربيان بامتياز. ذلك حتى تزيد من فاعلية نداء الاستغاثة في قلوب ووجدان أكبر عدد ممكن من المسلمين التواقين لمد يد العون لإخوة لهم في الدين، يقبعون في ظروف اضطهاد غير عادية!.
وبالفعل تعاونت الزعامات السياسية التقليدية والفكرية والإعلامية يداً بيد، لمهاجمة الصين التي تخترق حقوق الإنسان المسلم في عقر دار الأخير وموطن آبائه وأجداده. ذلك كما لو لم يكن هنالك اضطهاد للمسلمين في الدول الغربية والدول التي تسير في فلك السياسة الغربية.
ومن المسلمين المتشددين من أسرع في المناداة بتطبيق مبادئ الجهاد ضد الدولة الصينية. ذلك كما لو كانت الصين معسكر جيش أو قاعدة عسكرية أو تجمعاً واحداً متجانساً أو حتى صندوقاً أسود يسهل استهدافه. حقيقةً فالهدف هو إحداث شرخ عميق في العلاقات العربية والإسلامية من جهة والصينية من جهة أخرى.
ليس من المنطق والبراغماتية والمصلحة العامة للعرب والمسلمين، معاداة الصين أو أية دولة أخرى بسبب السياسة الداخلية لتلك الدولة إزاء رعاياها. أقل ما يمكن أن يقال عن ذلك أنه تدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. هذا ليس دفاعاً عن الصين والإجراءات الصينية التي إن صحت التقارير الصحافية والإعلامية بشأنها، تمارس قمعاً غير مقبول ضد الأقليات واختراقاً لحقوق الإنسان يجب الوقوف ضده.
من الممكن وبكل يسر وسهولة الدخول في حوار مع الدولة العظمى، الصين، وتصحيح سير المواقف والأمور نحو السلاسة والأمان والسلام. ذلك بدلاً من تنفيذ مخططات عقيمة مشبوهة مشينة، لم تجلب على الأقليات الإسلامية من قبل في بلدان أخرى إلا الدمار والإبادة الجماعية.
ما حدث في البوسنة والهرسك والشيشان وإقليم كوسوفو ومواقع إسلامية أخرى، ما هو إلا دليل على سوء نوايا القوى السياسية الغربية اتجاه العالم الإسلامي. زادت الحروب العسكرية والإعلامية الأمور تورطاً وفداحةً بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. زادت الحاجة لخلق احتكاك بين المسلمين والصينيين لدعم ما يسمى بالحرب على الإرهاب. حرب تواصل الإدارة الأميركية بعناد المضي قُدماً فيها، لتحقيق انتصار نهائي تحلم به، رغم الانتكاسات الخطيرة المستمرة التي تواجهها كل يوم.
جامعة الإمارات