إذا كان الرئيس باراك أوباما نجح خلال سبعة أشهر في بلورة «زعامته» العالمية وأولوياته في مجال السياسة الخارجية، فإن قمة موسكو الأخيرة التي جمعته بالرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف شكلت مرحلة حاسمة على طريق تحسين العلاقات الروسية ـ الأميركية وتطويرها، بعدما استعادت روسيا في ظل الرئيس السابق بوتين مكانتها كقوة اقتصادية وعسكرية أساسية على الساحة الدولية، قادرة على مواجهة استراتيجية القضم التي تمارسها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، تجاه البلدان التي كانت منضوية في المنظومة السوفيتية السابقة.

بيد أن هذا التقارب الأميركي الروسي، بات يقلق كلا من بولندا، وتشيكيا، وبلدان البلطيق الثلاثة، وأوكرانيا وجورجيا، لأن هذه الدول الحليفة تقليديا لواشنطن داخل الاتحاد الأوروبي والفضاء السوفيتي السابق، تخشى أن تكون ضحية السياسة الأميركية الجديدة تجاه روسيا.

فمن خلال البحث عن توافق المصالح مع موسكو حول ملفات تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، ومناقشة مشروع نشر عناصر الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا الشرقية، والبرنامج النووي الإيراني، والأوضاع في كوريا الشمالية وأفغانستان وباكستان، والرقابة على التسلح الاستراتيجي ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وموضوعات أخرى مثل تكثير طرق نقل الطاقة من روسيا وآسيا الوسطى إلى أوروبا، وتوسيع الحلف الأطلسي، وطرق التموين الأميركية إلى أفغانستان عبر روسيا وغيرها.

يكون الرئيس الأميركي باراك أوباما قد تميّز عن استراتيجية سلفه جورج بوش، التي كانت تقوم على مساندة «الثورات المخملية» الديمقراطية، وتطويق حدود روسيا من خلال إقامة القواعد العسكرية في أوزبكستان وقرغيزستان، والحصول على تسهيلات عسكرية في طاجيكستان وكازاخستان، ومدّ أذرعتها العسكرية حتى جورجيا، إضافة إلى الإفساح في المجال لانضمام كل من بولندا وجمهوريات البلطيق، وثلاث دول أعضاء في حلف فرسوفيا البائد، أي رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا، إضافة إلى سلوفينيا العضو السابق في الاتحاد اليوغسلافي، إلى الحلف الأطلسي الذي يزال يزحف لضم جمهوريتين سوفيتيتين سابقتين هما أوكرانيا وجورجيا.

من هنا نفهم أن الزيارة التي قام بها نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن إلى كل من أوكرانيا وجورجيا (20 ـ 24 يوليو الجاري)، كانت تستهدف تأكيد التزام الولايات المتحدة الأميركية بأمن حلفائها بعد أسبوعين من قمة موسكو، إذ أكد طوني بلينيكين مستشار بايدن للأمن القومي، أن جهود الولايات المتحدة لإعادة إحياء العلاقات مع روسيا لا تتم على حساب أي بلد آخر.

ويبدو أن انضمام أوكرانيا إلى الحلف الأطلسي بات مستبعدا، على الأقل في الوقت الحاضر، لأن أوكرانيا لا تزال تعيش على نسق الأزمات السياسية التي تشل عمل مؤسسات الدولة منذ «الثورة البرتقالية» 2004 ـ 2005، لا سيما في ظل التقاتل بين الرئيس فيكتور يوشينكو الموالي للغرب، ورئيسة الحكومة يوليا تيموشينكو الموالية لموسكو. ففي أوكرانيا، وهي جزء من الكيان السلافي في الإمبراطورية السوفيتية القديمة، ما زال نصف السكان يتماهون مع روسيا من الناحيتين الإثنية والوطنية.

وهكذا، من السخف الاعتقاد بأن يوشينكو قادر بمفرده على نقل أوكرانيا إلى المدار الغربي. فالدول الغربية مهتمة بالغاز الروسي أكثر منه بالديمقراطية الأوكرانية.

وبسبب الأزمتين في أفغانستان وإيران، تحتل أوكرانيا المرتبة الثانية، بالقياس إلى جورجيا. وكان نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن أعلن الخميس الماضي في خطاب أمام البرلمان الجورجي، أن الولايات المتحدة تؤيد «جورجيا موحدة»، مؤكداً وقوفها إلى جانبها، وذلك بعدما تبخرت أحلام الجورجيين بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي بعد عام على نزاعهم العسكري مع روسيا، التي وجهت رسالة مباشرة إلى الأميركيين مفادها أنها «ستواجه محاولات إعادة تسليح جورجيا».

ولا تزال المقاربة البراغماتية للرئيس أوباما تجاه موسكو، تقلق بلدان أوروبا الشرقية التي دخلت حديثا إلى الاتحاد الأوروبي. فهذه البلدان كانت دائما تنظر إلى واشنطن ولا تزال، على أنها الضامن الحقيقي لأمنها، وهي تنتقد عدم فاعلية الحلف الأطلسي عقب الحرب الجورجية ـ الروسية، وتخشى من تعرض سيادة دولها للانتهاك.

كاتب تونسي

tawfik-m@scs-net.org