26 يوليو هو واحد من أهم الأيام التاريخية في مصر مرتين: الأولى، كان هذا اليوم عام 52 هو اليوم الرابع للثورة المصرية التي انطلقت فجر 23 يوليو، بما شهده من أحداث انتهت بتنازل الملك فاروق عن الحكم ورحيله إلى خارج مصر، دون استجابة كل من بريطانيا وأميركا لطلبه المتكرر لهما عبر السفير الأميركي بالتدخل، واعتبارهما ما جرى في مصر على مدى الأيام الأربعة السابقة «شأناً داخلياً يستهدف القضاء على الفساد في الجيش والحكومة»، كما جاء على لسان وزير الخارجية البريطاني حينها، فكان يوم تأكيد نجاح الثورة.

والثانية، كان هذا اليوم عام 56 في العام الرابع للثورة، هو الذي شهد القرار المصري الزلزالي بتأميم شركة قناة السويس العالمية، التي كانت تمثل دولة إنجليزية فرنسية داخل الدولة المصرية، بقوتها الاقتصادية وبقاعدتها العسكرية الإنجليزية التي تحميها، ونجاح مصر، رغم العدوان الثلاثي الفاشل فيما يعرف ب«حرب السويس»، في تثبيت إرادتها الوطنية السياسية، بتحقيق الجلاء الكامل عن مصر، والاستعادة الكاملة لقناة السويس المصرية، بما شكل انتصاراً سياسياً مصرياً على أكبر إمبراطوريتين استعماريتين، ومثل مداً تحررياً عربياً وعالمياً بشر بنهاية عصر الاستعمار.

هذا اليوم شهد زلزالاً تاريخياً مصرياً وعالمياً، حيث شكل انتصار إرادة الشعب المصري للتغيير السياسي عام 52 الذي كان يوماً فاصلاً بين عهدين في مصر، كما شكل انتصار إرادة مصر للتحرر الاقتصادي في ذلك اليوم من عام 56، وما تلاه من مقاومة للعدوان الثلاثي وانتصار إرادة الشعب المصري للتحرر الوطني بانسحاب المعتدين في نهاية حرب السويس.. فكان يوماً فاصلاً، أيضاً، بين عصرين في العالم، عصر ما قبل السويس، وعصر ما بعد السويس.

ما بعد اليوم الأول عام 52 فتح الطريق لبداية التحولات الكبرى، ولتحقيق الأهداف التحررية الستة للثورة المصرية، وأولها «القضاء على الاستعمار»، فشرعت قيادة الثورة في المفاوضات مع الانجليز لتحقيق مطلب كل الوطنيين المصريين الأحرار، والتي انتهت باتفاقية الجلاء بعد عامين، وأسرعت الثورة في العام نفسه في اتجاه الهدف الثاني وهو «القضاء على الإقطاع»، بإصدار قانون «الإصلاح الزراعي» الذي يحدد الملكية الزراعية ب300 فدان للأسرة، ويعيد توزيع ما يزيد على الفلاحين المصريين المعدمين، لتوسيع قاعدة الملكية، ولتقريب الفوارق بين الطبقات سيراً في اتجاه العدالة الاجتماعية.

كما شرعت الثورة في اتجاه الهدف الثالث، وهو «القضاء على سيطرة رأس المال على الحكم»، بإصدار قانون «الإصلاح السياسي» في محاولة لتطهير الحياة السياسية الداخلية، ودخلت في أولى معاركها الخارجية لرفضها الدخول في الأحلاف السياسية الاستعمارية، وحينما شرعت في بناء «السد العالي» لتحقيق التنمية الزراعية والصناعية، لمواجهة ثالوث الفقر والجهل والمرض، ولتوفير الحياة الكريمة لغالبية المصريين، فلقد واجهت الثورة المصرية أخطر تحدياتها الخارجية الكبرى، برفض البنك الدولي تمويل المشروع بضغوط من الغرب.

فكانت الاستجابة المصرية لهذه التحديات الخطيرة، هي القرار الأخطر لجمال عبدالناصر من الإسكندرية في ذلك اليوم التاريخي بتأميم قناة السويس، وما تلاه من انتصار مصر على العدوان الثلاثي، وبداية النهاية لعصر الاستعمار القديم.. فحذار من الاستعمار الجديد.

mamdoh77t@hotmail.com