تكشف المتابعات اليومية للأخبار المحلية والتقارير التي تبثها شرطة عمان السلطانية عبر وسائل الإعلام، تزايد عدد الحوادث المروية بشكل يدعو إلى إعادة التفكير في الأمر عن الأسباب وكيفية إيجاد الحلول لهذه المشكلة التي باتت تؤرق الأسر وتخصم من رصيد الوطن في أجيال المستقبل الذين هم بناة الغد وعقله المفكر.
بالأمس نشرت جريدة عمان خبرا صحفيا كشف عن وفاة 21 شخصا وإصابة 22 شخصا خلال ثلاثة أيام فقط جراء الحوادث المرورية بالبلاد. وهو رقم مهول، يستدعينا أن نتدبر الأمر، كما يلقي المسؤولية على كثير من الجهات المختصة بأن تعيد التفكير في أنظمة التوعية والمحاسبة والعقاب إلخ... من الوسائل والآليات التي يكون من شأنها الوصول إلى حلول مثلى.
بيد أن ما ينبغي التركيز عليه في المقام الأول يتعلق بإنتاج ثقافة مرورية، تجعل قائد المركبة يتعامل مع فكرة السياقة على أنها مسؤولية قبل كل شيء، وكما قيل فإن القيادة فن وذوق، فهي كذلك وأكثر من ذلك هي سلوك يترتب عن عوامل عديدة على رأسها الإحساس بعظمة الروح الإنسانية وأن الحياة هبة الله التي يجب أن نتعامل معها بكل محبة، وألا نرمي بالأنفس إلى التهلكة.
قد بدا واضحا أن البرامج التوعوية تحتاج إلى طرق غير نمطية في تقديم رسالتها، بمعنى نقلها إلى حيز جديد من التفاعل الإيجابي بحيث تنعكس فعليا على السير في الطرقات، وهنا يكون التركيز على فئة الشباب والأجيال القادمة لأنهم زخر المستقبل، ولأنه من السهل أن تؤسس الأشياء من البداية بدلا من الانتظار إلى اللحظات الأخيرة بعد أن يكون كل شيء قد انتهى.
وثقافة المرور وأدبه وأخلاقه، هي ثقافة تحيل إلى مفهوم التشارك، والجماعة، فالطريقة ملك للعامة، والسائق يكون عليه أن يدرك أن له حق مثلما للآخرين حق في الطريق نفسه، وأن أي تصرف غير مسؤول منه تكون ردة فعله على مستخدمي الطريق الآخرين، كأن يتجاوز بغير حساب أو يضرب بالقواعد واللوائح والقوانين الناظمة عرض الحائط.
ولكي نؤسس هذه الثقافة يجب أن نبدأ من المراحل السنية المبكرة وفي المدارس بوجه خاص، بأن نوجد فكر يرد الاعتبار لكافة هذه الأمور، بناء على شروط تهتم بكرامة الإنسان وفكره ومغزاه في هذا العالم.
وإذا دار سؤال بسيط كم يكسب الإنسان من الزمن وهو يقود مركبته بسرعة قياسية، ليقع ضحية ذلك ومن معه من مرافقين بالمركبة؟!
في الواقع لن يكسب شيئا، سوى دقائق معدودات.. وهنا لا يتعلق السؤال بالكسب الزمني وقيمة الوقت، لأنها ثقافة شبه غائبة عنا.. إذن إلى ماذا سنرد الأمر؟!... هل هو مجرد التسرع والتلهف والانزلاق إلى عجلة لا تسمن ولا تغني؟!..
هو قطعا، كذلك يبدو الأمر.. كما أن من يفهم قيمة الوقت حقيقة لن يكون عجولا لكي يروح ضحية الوقت الذي يلاحقه!.. إن شروط الحياة المدنية الحديثة، بما فيها ثقافة الطريق والسيارة والطرق المعبدة يجب أن لا تنسينا قيمنا المتوارثة في ديننا الحنيف والتي تحثتا على الانتباه والحذر وأن الروح هي أغلى شيء.
كما أن قيمنا نفسها تؤكد على أدب التشارك ورعاية الشارع العام الذي له آدابه قبل أن تصنع السيارة وتكون الطرق الحديثة.
ثمة أكثر من نقطة جديرة بالانتباه في الموضوع، وقضية شائكة تتشارك فيها المسؤولية أطراف متعددة ومتشعبة، الأمر الذي يتطلب تدارس أكثر علمية ودقة يضع في النهاية الحلول الجذرية والمناسبة حفاظا على الإنسان الذي هو المفردة الأولى.. والغاية النهائية لكل التحديث والتغيير الذي نعيشه في وطننا العزيز.
