نزاع قره باخ الذي بدأ عام 1988، عندما أعلن الإقليم الذي تنتمي أغلبية سكانه للقومية الأرمنية، تمحور حول قرار هذه الأغلبية بإعلان الحكم الذاتي في الإقليم عام 1991، والخروج من السيادة الأذربيجانية، ما أدى إلى نشوب حرب بين أذربيجان وأرمينيا، أسفرت عن مصرع نحو 15 ألف شخص وتشرد حوالي مليون آخرين. وفقدت أذربيجان آنذاك سيطرتها على إقليم قره باخ وسبع مناطق مجاورة له. وتوصل الجانبان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار عام 1994 في العاصمة الطاجيكية بشكيك.
وخلال السنوات الماضية، اصطدمت المفاوضات التي يشرف فريق مينسك لتسوية النزاع سلميا، بتمسك حكومة باكو بضم إقليم قره باخ إلى السيادة الأذربيجانية، فيما تصر أرمينيا على منحه الحكم الذاتي. وقد عقدت خلال العام الماضي ستة لقاءات بين الرئيسين الأرميني والأذربيجاني برعاية الكرملين، كان آخرها لقاء موسكو الذي، وإن لم يسفر عن توقيع أية اتفاقات، إلا أنه كان خطوة بناءة في الحوار بين البلدين، في سياق الجهود المتواصلة بهدف إيجاد تسوية سلمية عادلة وشاملة لمشكلة قره باخ.
وقد أصبحت قضية هذا الإقليم أبرز بنود برامج الانتخابات الرئاسية في كل من أرمينيا وأذربيجان. وكانت أرمينيا قد شهدت انقلابا على رئيسها الأسبق ليون تير بتروسيان، أول رئيس لأرمينيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بتهمة التخلي عن إقليم قره باخ، حيث تولى منصب الرئاسة من بعده روبيرت كوتشاريان، لفترتين متتاليتين، ثم تخلى عن منصبه لحليفه ورئيس حكومته سيرج سركيسيان، الذي ينحدر مثله من إقليم ناغورني قره باخ في أذربيجان.
وإذ كان يصعب الحديث عن أن وجود أبعاد دولية للخلاف حول إقليم ناغورني قره باخ خلال التسعينيات، حيث يبدو واضحا أن المحرك الأساسي للخلاف هو البعد السيادي، فإن الوضع بدأ يأخذ اتجاهات جديدة بعد أن أعلنت أذربيجان عن إصرارها على استعادة سيادتها على أراضى الإقليم، وبدأت تعمق وتزيد صلات التعاون العسكري والسياسي مع تركيا والولايات المتحدة، ما يمكن الغرب من النفاذ إلى هذا الملف كغيره من ملفات منطقة القوقاز، ليصبح نزاع ناغورني قره باخ إحدى البؤر الساخنة التي يمكن تفجيرها، أذا ما تتطلب الأمر خلال المرحلة القادمة. إذاً، من المستبعد أن تتجه أرمينيا نحو اللجوء للحلف الغربي لتسوية هذه الأزمة، بالرغم من علاقاتها الجيدة مع الولايات المتحدة، وذلك خوفا من «عدوها التاريخي» تركيا، ما يدفعها لإبرام تحالف عسكري مع روسيا لمدة 25 عاماً، تضمن موسكو بموجبه بقاء قواعدها العسكرية على الأراضي الأرمينية.
ولعل تمسك الحكومة التركية بمواقفها إزاء أرمينيا، وإصرارها على إغلاق الحدود معها وعدم أقامة علاقات دبلوماسية، في إطار دعم اسطنبول لأذربيجان، يعبر عن حالة الحصار التي تعيشها أرمينيا، والتي تم ربطها باعترافها بالسيادة الأذربيجانية على أراضي إقليم ناغورني قره باخ، ما يجعل روسيا العمق الاستراتيجي الوحيد لأرمينيا في هذا الصراع.
ولا شك أن التطورات الجارية في سياسات البيت الأبيض الأميركي، ستؤدي لتأجيل أي خطط أو مساع لاستخدام ورقة ناغورني قره باخ في الضغط على روسيا، باعتبار أن النهج الذي يتبناه الرئيس الجديد باراك أوباما، يقوم على مبدأ إيجاد سبل للتفاهم ونقاط الالتقاء، وليس الصراع والضغط على الشركاء. هذا الوضع لابد وأن يبقي ملف النزاع الأرميني ـ الأذربيجاني بين يدي موسكو، وهو ما يضع الكرملين أمام اختبار صعب، يفرض عليه ضرورة تسوية هذه الأزمة، لتهدئة التوتر المتصاعد في منطقة القوقاز، في ظل الخلاف الحاد بين روسيا وجورجيا، خاصة وأن التحالف بين باكو وتبليسي يمكن أن يعيق مساعي موسكو نحو تسوية خلاف أزمة ناغورني قره باخ.
لذا يمكن القول إن تسوية هذه الأزمة ستحقق لروسيا نقلة نوعية في إعادة ترتيب العلاقات في مناطق القوقاز ووسط آسيا، بل ستعزز نفوذها، ليس فقط في القوقاز، وإنما أيضا في حوض بحر قزوين، وسيلقي بظلاله على المساومة على تقسيم النفوذ مع الغرب على ثروات هذه المنطقة.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني