لا شك أن الحركة الإسلامية في فلسطين استطاعت أن تخطو بنجاح نسبي في تقديم نفسها للشارع العربي والإسلامي، في سياق محاولات الحركة للظهور بحلتها الراهنة باعتبارها حزبا سياسيا إسلاميا وحركة مقاومة لشعب تحت الاحتلال، بعيداً عن توصيفات الغرب وإسرائيل، التي كانت وما زالت تتحدث عن حركة حماس باعتبارها جزءاً من «الإسلاموفوبيا المرعب».

وبالرغم من الإشكالية السياسية القائمة راهناً في الساحة الفلسطينية، وحملة الضغط الخارجية لدفع حماس للإقرار بشروط اللجنة الرباعية المعروفة، إلا أن الحركة الإسلامية في فلسطين حافظت على حضورها ووزنها في الشارع.

دون التقليل من حضور الجناح الآخر من الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلاً بحركة فتح وتوابعها الفصائلية، فضلاً عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. لقد استفاد الإسلام السياسي في فلسطين من تجربة الحركات الإسلامية في العالم، وفي المنطقة العربية على وجه الخصوص، فلم يقع في فخ التطرف الداخلي المقيت، ومفردات التكفير، أو في فخ التحول إلى بوق طائفي ينفث أحقاداً دفينة، فكان الإسلام السياسي الفلسطيني مقبولاً في إطار خارطة الموزاييك السياسي والأيديولوجي في فلسطين، بالرغم من التعقيدات الهائلة التي تحيط بالأوضاع الفلسطينية وتداخلاتها العربية والإقليمية والدولية.

في المقابل، ومن موقع المقاربة، لم يكن يدرك المرحوم الشيخ مصطفى السباعي المرشد العام لحركة الإخوان المسلمين في سوريا سنوات الاستقلال السوري الأولى، أن مستقبلاً قاتماً سيكون قادماً على الحركة الإخوانية في سوريا، بعد سنوات من النشاط والازدهار والتحالف حتى مع حزب البعث العربي الاشتراكي في أكثر من دورة انتخابية للبرلمان السوري حينها، وتحديداً في السنوات التي سبقت قيام دولة الوحدة السورية المصرية.

كما لم يكن يدرك الشيخ مصطفى السباعي المعروف عنه ببعد النظر، أن هناك تياراً مؤثراً متطرفاً، أخذ بالتكون داخل أحشاء الحركة الإخوانية السورية، على خلفية البعد الأيديولوجي المتزمت البعيد عن الوسطية والاعتدال، والمتأثر بالمنابر الإسلامية التكفيرية التي كانت تنمو ببطء متدرج، وعلى خلفية التطرف داخل بنى الأنظمة التي تتالت في العهود الأولى لمرحلة ما بعد الوحدة.

وانطلاقاً من هذا المعطى، فقد حملت الحركة الإخوانية السورية أوجاع التطرف، مع استفحال انتشار التيار التكفيري المشار إليه، ووصول الولادة إلى خاتمتها داخل «بطن» الحركة، ممزوجة بالفضاء السياسي المعقد الذي بات يلف سوريا والمنطقة بعد حرب العام 1967، وتفاقم بعد حرب العام 1973، ليصل إلى حدود الولادة التامة لما سمي ب«الطليعة المقاتلة».

ومن حينها وضعت الحركة الإخوانية السورية أرجلها في مزالق الطريق نحو المآل المأساوي الكارثي، الذي خسر فيه الشعب السوري الكثير، ووضع الحزب، الذي رعاه وأسسه الشيخ مصطفى السباعي، نفسه في مهب الريح، منتقلاً من لون سياسي أيديولوجي يتصف بالوسطية والاعتدال، إلى حزب ممزوج بألوان التطرف وضيق النفس، والبعد عن الروح الديمقراطية التي تنطلق في معالجة المثالب بروح طويلة وصبورة، تحفظ الأوطان وتقيها شرور الفتن.

وفي ظل الاستفاقة المتأخرة لقيادة الحركة الإخوانية السورية، كرر المراقب إعلانه أن جماعته ستنشئ حزباً سياسياً جديداً في الداخل، عندما تسنح الفرصة بذلك (يضم كل فئات المجتمع السوري، من علمانيين ومحافظين ويساريين وليبراليين، ومن كل تنوعاتهم). لكن هذا الاقتراح يعتبر بشكل أو آخر عملية مصطنعة، لا تعني بالضرورة تطورا في المفاهيم السياسية.

في المقابل شكلت الحركة الإسلامية في فلسطين تحالفاً واسعاً مع العديد من أطياف العمل السياسي والفكري منذ الانتفاضة الأولى عام 1987، وواصلت السير على الطريق ذاته في الائتلاف المشترك مع القطب الآخر الممثل بحركة فتح، وتمسكت بمفهوم الكيان (الدولة) السلطة الراهنة، باعتبارها شكلاً ضرورياً للوحدة التي ينبغي أن تضم الغالبية من القوى السياسية. وعليه فالتغيير المطلوب يفترض أن يكون في إطار الكيانية (الدولة) أو السلطة الموحدة، لا من خارجها.

وبالتالي فإن أية محاولة لتركيب عملية انقلابية، أو لنقل ثورة خارج شروط تحققها الموضوعية، ستقود إلى تسلط وديكتاتورية، على غرار الديكتاتورية اللينينية والطالبانية اللتين حاولتا اختصار المراحل التاريخية، إما إلى الأمام وإما إلى الوراء.

إن تجربة الإسلام السياسي في فلسطين، ممثلاً بحركتي حماس والجهاد، على عللها، تجربة تستحق الوقوف والتأمل.

فالخطاب السياسي والمجتمعي يؤهل هذين التنظيمين للتمركز داخل بنى ونسيج المجتمع الفلسطيني، المعروف بتنوعه وديمقراطيته، وبتجربته العريقة، وبغناه بأحزاب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وذيول التطرف موجودة أيضاً داخل بنى مختلف التيارات السياسية والفكرية بشكل عام، والأصولية تتعدى بعض ألوان الحالة الإسلامية لتصل إلى الجميع. فالصعود الديمقراطي للجناح السياسي الإسلامي في فلسطين، وارتقاء حماس إلى الموقع القيادي المتنفذ، وضع حركة الإسلام السياسي العربية أمام اختبار «النجاح من عدمه»، وهو بالطبع اختبار قاس، في ظل تجارب عديدة لقوى ومشارب أيديولوجية عربية مختلفة تم وأدها في مهدها، ولم تستطع أن تنطلق قاطرتها نحو اشتقاق تجربة جديدة ومغايرة للواقع القائم.

وبكل وضوح وشفافية، فإن تيار الإسلام السياسي في فلسطين على محك القيادة المسؤولة لأول مرة، بعد مشوار طويل قطعته الحركة الإسلامية في فلسطين والبلدان العربية وهي جالسة على مقاعد المعارضة، دون أن تحترق أصابعها بنيران السلطة، باستحقاقاتها ومثالبها في عالم يموج بالمتغيرات. وانطلاقاً من هذا المعطى، فإن حركة حماس مطالبة بضرورة أخذ الوقائع بعين الاعتبار، وإلا فإن مصير حركة العمل السياسي الفلسطيني، بما فيها حركة الإسلام السياسي، ستكون مغلقةً وستصطدم بالجدار الدولي.

إن الإسلام السياسي في فلسطين أمام تجربة هي الأولى في الحالة العربية بشكل عام، وتتوقف على حركته وإمكانية عبوره طريق النجاح النسبي، مآلات حركة الإسلام السياسي المعتدل في المنطقة العربية بأسرها، لسنوات قادمة. وفي هذا المقام، فإن المزج النسبي والمزاوجة بين الأيديولوجي والسياسي، ضرورة لا غنى عنها أمام امتحان النجاح لحركة حماس في الساحة الفلسطينية. وعليه، يترتب على حركة حماس الاستمرار في خطابها البراغماتي الذي ابتدأت به بعد انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة.

وفي هذا المقام، فإن فتح النوافذ أمام الإسلام السياسي في فلسطين، وتحديداً أمام حركة حماس، يتطلب منها الانتقال من موقع البعيد عن الإطار التمثيلي الأوسع للشعب الفلسطيني، والمقصود منظمة التحرير الفلسطينية، لصالح الاندماج تحت مظلتها الائتلافية باعتبارها المرجعية الشاملة لكل الفلسطينيين في الداخل والشتات، والطرف المسؤول عنهم في نهاية المطاف. فانضواء حركة حماس داخل أطر ومؤسسات منظمة التحرير، سيعطيها دفقاً جديداً مؤثراً، يغذي من تجربتها في ظل ارتقائها مواقع المسؤولية في السلطة، ويوفر للإسلام السياسي الفلسطيني سبل النجاح في إطار «اللعبة الديمقراطية» التي توافق عليها الفلسطينيون.

كاتب فلسطيني

bdwan60@aloola.sy