أرادت مسيرة النهضة المباركة التي قادها بحكمة واقتدار حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أن تسير التنمية المستدامة في جميع المجالات بشكل متوازٍ ، بحيث لا يطغى جانب على آخر، ولا يكون جانب على حساب آخر. ومن ذلك نجد أن الجانب البيئي أخذ نصيبه من الرعاية والاهتمام ولم يغفل عند طرح أو إسناد أية مشاريع اقتصادية أو سياحية أو صناعية أو زراعية أو إنشائية، بل لا بد أن تؤخذ في الاعتبار السلامة البيئية وأهمية مراعاتها والالتزام بشروطها وقواعدها.

وقد انصب الاهتمام السامي بالبيئة وحماية مفرداتها منذ البدايات الأولى للنهضة المباركة، حيث صدرت مراسيم سلطانية سامية تعنى بالشأن البيئي وتنظم حركته وتحافظ على سلامته وتضمن استمراره ونظافته ، بدءًا بالمرسوم السلطاني رقم (34/74) بمراقبة التلوث البحري ، مرورًا بالمرسوم السلطاني رقم (68/79) بإنشاء مجلس حماية البيئة ومكافحة التلوث برئاسة جلالة السلطان ، ثم المرسوم السلطاني رقم

(10/82) بإصدار قانون حماية البيئة ومكافحة التلوث، وصولاً إلى المرسوم السلطاني رقم (90/2007) بإنشاء وزارة خاصة للبيئة باسم (وزارة البيئة والشؤون المناخية). وفي ذلك تأكيد على القناعة التامة بأهمية المحافظة على البيئة وإرساء أسس قويمة من شأنها أن تجعل من بيئتنا العمانية بيئة مستدامة لحاضرنا ومستقبل أجيالنا، وضرورة البعد عن الأنانية وهدم مقوماتها وأركانها.

ولم يقتصر جهد عاهل البلاد المفدى في أهمية إيلاء البيئة الاهتمام الذي تستحقه على النطاق المحلي ، وإنما ترافق معه جهد على المستوى العالمي ، فقد كانت جائزة السلطان قابوس لصون البيئة أول جائزة عربية يتم منحها على المستوى العالمي في مجال حماية البيئة ، حيث قرر جلالته ـ أعزه الله ـ تخصيص هذه الجائزة خلال زيارته لمقر (اليونسكو) عام 1989م، كما أن عطاء جلالته في الشأن البيئي ظل متواصلاً ، ففي مؤتمر (قمة الأرض) عام 1992م بالبرازيل اختارت الأمم المتحدة التي أشرفت على المؤتمر ، شخصية جلالة السلطان المعظم ليكون متحدثًا في المؤتمر نيابة عن العالم العربي ، امتنانًا من المنظمة لجهود جلالته وإسهاماته في سلامة البيئة وحمايتها.

إن الإنسان يعتبر المكون (العاقل) من المكونات الأخرى للبيئة، ويستمد منها طاقته المستمرة عبر المكونات الأخرى النباتية والحيوانية، ما يستوجب عليه أن يبني علاقة حميمية مع بيئته بحيث تكون العلاقة مبنية على تبادل المصالح المشتركة؛ تعطيه ما يحتاجه ويعطيها ما تحتاجه، وبالتالي لا بد أن يتحلى بأخلاق اجتماعية تحترم هذه البيئة لأنه هو المتضرر الأول من غضبها بسبب تعامله السييء وعدم احترامه لها.

وكنتيجة طبيعية لتصرفاته الخاطئة مع بيئته كان الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية التي يعانيها كوكب الأرض اليوم، من العوامل التي تهدد الاستقرار البيئي والبشري ، فهناك القطع الجائر للغابات وإزالتها والذي أدى إلى انعكاسات خطيرة في النظام البيئي، وذلك للخلل في التوازن بين نسبتي الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بسبب الحرب الشعواء التي يشنها الإنسان على اللون الأخضر.

إن الإنسان بحاجة ماسة إلى مصادر الطاقة النظيفة من الغذاء والماء، وبدلاً من توظيفه التقدم التكنولوجي والعلمي والصناعي في هدم البيئة وتعريض وجوده للخطر ، عليه أن يوظف هذا التقدم المحرز في خدمة بيئته وسلامتها، فقد شكلت الأبخرة المتصاعدة من المصانع ووسائل المواصلات والأشعة الصادرة عن التجارب النووية وغيرها من الملوثات الصلبة والسائلة والغازية خطرًا كبيرًا على الإنسان والكائنات الحية الأخرى.

إن المطلوب ترجمة عملية حقيقية للنوايا الصادقة والجهود الخيرة التي يقودها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مع الدول والمنظمات الدولية المهتمة بسلامة البيئة، وتكاتف الأسرة الدولية نحو إيجاد بيئة نظيفة وآمنة ومستدامة خالية من أي ملوثات. كما أن على المواطن العماني أن يترجم جهود جلالته إلى واقع عملي في حياته؛ فلا يعتدي على بيئته ويتركها بيئة نظيفة لأجياله القادمة.