على كثرة ما أسمع من مشكلات وهموم وقضايا يطرحها المواطنون، لم يحدث أن عشت حالة من الحزن والأسى بخروج طبيبة مواطنة من مكتبي في لقاء طلبته بإلحاح وبأسرع ما يمكن، بعد رسالة إلكترونية كانت قد بعثتها مصحوبة بسيرة ذاتية مطولة، شعرت للوهلة الأولى أن مرسلها قد أخطأ العنوان أو أن الايميل قد وصلني عن طريق الخطأ، على الرغم من أن المرسلة تخاطبني بالاسم.
قبل كل شيء، لا أخفي أن السيرة الذاتية لطبيبة أمراض القلب لا أقول إنها ثرية، بل مخيفة تؤكد كم الشهادات التي حصلت عليها وكم الدورات والندوات الطبية التي شاركت فيها، وكم التجارب العملية التي تملكها من أعرق المستشفيات الجامعية، وكم الإنجازات التي حققتها، جميعها تعد مفخرة، ليس لصاحبتها فحسب، بل لوطن أنجب ورعى أمثال هذه الطبيبة، فضلا عن إتقانها لأربع لغات حية. هي خريجة الدفعة الأولى في جامعة الخليج العربي، ثم توجهت إلى الدول الاسكندنافية.
حيث درست في السويد والدانمرك وتخصصت في أمراض القلب وحصلت على الزمالة، وكانت أول طبيبة مواطنة تحصل على البورد الأوروبي، وواصلت مسيرتها بشهادة الدكتوراه والزمالة، وعملت 7 سنوات في مستشفى «ليند» الجامعي في السويد، ثم عادت إلى الوطن لتخدم في مؤسساته الطبية، لتجد نفسها في دوامة من هيمنة الأجانب عليها وحرب نفسية، فأحست أنها لن تتمكن من إعطاء المريض حقه، فانسحبت بعد محاولات يائسة للإصلاح.
تقول: بصراحة متناهية، المريض في مستشفياتنا «مظلوم»، مشيرة أن الطبيب في الخارج لا يرى في اليوم الواحد أكثر من 7 حالات كحد أقصى ويشكو، أما عندنا فالطبيب يدخل عليه 40 مريضا خلال ساعات العمل، ويتباهون فيما بينهم كلما زاد عدد المرضى «وهذا هراء»، مؤكدة أن المريض العادي هو آخر اهتمامات الأطباء في مستشفياتنا.
وضع دفعها لأن تنضم إلى العمل الإداري في القطاع الخاص، بعضه عاملها بامتيازات أجنبية حيث الراتب الكبير والامتيازات العديدة، من راتب تجاوز ال120 ألفا شهريا تارة، وفي شركة أخرى ألف جنيه إسترليني يوميا تارة أخرى، لكنها أرادت العودة إلى مستشفيات الحكومة كاستشارية، وخضعت لمقابلة أجراها ثلاثة «هندي، إيطالي ونيوزيلندي» أخبروها أن الراتب سيكون 40 ألفا وباستثناءات ربما وصل إلى 60 ألفا.. قالت: لا بأس.. أخبروها أنهم أجروا مقابلة ل15 شخصا وكانت الوحيدة الكفؤة، لكنهم قالوا: لا نريد الاستعجال. هذا المنصب حظي به بعد ذلك طبيب أجنبي مؤهلاته أقل بكثير من المواطنة!
كل ذلك لم يشفع لهذه المواطنة، المفعمة بالمؤهل العلمي والخبرة العملية وحب مهنة اختارتها عن اقتناع ومنحتها كل ما لديها، لأن تجد المكان الذي يناسبها في وطنها، بفعل الأيادي الأجنبية الخفية التي ابتليت بها مؤسساتنا الطبية.
والحل.. تقول: الهجرة إلى بلد أجد فيه نفسي بعد أن فقدتها في وطني، الذي ليس لي فيه أي قيمة، الأجنبي يقيمني ويتحكم في الكثير، لم أتحدث يوما عن الراتب ولم أتوقف عند الامتيازات التي ينبغي أن يحظى بها الطبيب، لكني رضخت في النهاية ورضيت أن أكون مثل الكثيرين الذين هاجروا وأنهيت إجراءات الهجرة وحزمت حقيبتي، ولا يحز في نفسي سوى والدي المريض. وتختم بالقول: فعلنا ما علينا فعله، وابتغينا خدمة وطننا وأهلنا، لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، لم أختر الهجرة بإرادتي لكنها واقع فرضته علي الأيام، وقدر كتب علي لابد أن أستجيب له.
