هل عاد الخيار العسكري الإسرائيلي ضد إيران إلى الطاولة؟ عناصر ثلاثة يتحدث عنها أصحاب «مدرسة العودة»، لدعم وجهة نظرهم: أولا حكومة إسرائيلية متشددة، لا بل من أكثر الحكومات تشددا في إسرائيل، ترى في الخطر الإيراني، وهذه شبه نقطة توافق في المؤسسة الاستراتيجية السياسية والإسرائيلية، خطرا وجوديا على الدولة العبرية تجب إزالته من جهة، كما تريد من جهة أخرى الهروب من الاستحقاق الفلسطيني والإلحاح الأميركي بشأن وقف الاستيطان، ضمن سياسة قلب الطاولة وتغيير الأولويات ووضع الجميع أمام واقع جديد.

ثانيا، تصريح جو بايدن نائب الرئيس الأميركي حول أن قرار إسرائيل بشن حرب ضد إيران، هو قرار سيادي يعود لإسرائيل، وقد رأى البعض أن هذا بمثابة ضوء أخضر لإسرائيل للمضي في سيناريو الهجوم على إيران، ورأى الأكثر تحفظا أنه بمثابة ضوء أصفر أو تفهم وعدم ممانعة، ذلك رغم تصريحات الرئيس أوباما المتكررة والقاطعة بأن واشنطن لم تعط ضوءا أخضر لإسرائيل بهذا الشأن.

وثالث هذه الأسباب عودة أحمدي نجاد إلى رئاسة إيران، وبالتالي فإن انتصاره ـ رغم ما أثاره من تداعيات داخلية ـ يمثل انتصارا وضوءا أخضر للاستمرار في سياسة التشدد الخارجي والداخلي، وبالتالي عدم فتح كوة في جدار الملف النووي، مقبولة حسب هذه المدرسة، خاصة الذين يشيرون أيضا إلى أن نافذة الفرصة لمنع إيران من الحصول على قدرة نووية عسكرية، قد ضاقت لتصبح بحدود سنة واحدة.

مقابل مدرسة العودة للخيار العسكري، تقول مدرسة استمرار الخيار الدبلوماسي، إن هنالك ثلاثة أسباب أساسية وراء هذا الأمر، أولها التزام أميركي متكرر في عهد أوباما بالاستمرار في سياسة الانخراط مع إيران وتأكيد هذا الموقف، رغم تزايد الانتقادات للإدارة الأميركية بعدم اتخاذ موقف صلب وواضح من التطورات الداخلية في إيران، باعتبار أن الأولوية تبقى لهذا الانخراط على حساب تسجيل نقاط في الملعب الإيراني تحت عنوان دعم الديمقراطية أو غيره.

ثانيا، أن الانسحاب التدريجي الأميركي من العراق من جهة، واشتعال المسألة الأفغانية مجددا من جهة أخرى، عنصران يدفعان واشنطن للتعاون والتوصل إلى تفاهمات مع إيران، باعتبار أن هنالك تقاطعا في المصالح حينا، وتكاملا أحيانا بشأن هذين الملفين، مما يشجع على الانخراط في هذا الخيار.

وثالثا، أن خطاب إدارة أوباما ونيتها الانخراط مع إيران ورفع لواء الدبلوماسية بديل المواجهة، عناصر تعزز الموقف الأميركي وتساهم في زيادة الضغوط ضد إيران، فيما لو احتاجت واشنطن لذلك في سياسة الانخراط القادمة في شهر سبتمبر، كما يتفق أكثر المراقبين.

هذا الحوار حول إيران يقود إلى جملة من الملاحظات.. أولا: يرى البعض أن استمرار الوضع على ما هو عليه مريح لإيران، فلا حرب ضدها باعتبار أن التهديد الإسرائيلي نوع من الحرب النفسية، وأن إسرائيل غير قادرة أن تحقق أهدافها من حرب على إيران «لتشليحها» كليا الورقة النووية، وأن أكثر ما يمكن أن تحققه هو تأخير مادي للخيار النووي العسكري، ولكن تكلفة ذلك ستكون قرارا إيرانيا بالإسراع في الحصول على النووي العسكري، مع مساعدة من الخارج للاستفادة من الورقة الإيرانية.

والأهم في التكلفة هو أن الفوضى الكاملة واللاستقرار سيعمان الشرق الأوسط، معرضين مصالح الجميع، ما عدا إسرائيل، لمخاطر جمة، وهو ما قد يمنع إسرائيل من اللجوء إلى هذا الخيار مع الاستمرار في التلويح به: تصريحات ومناورات عسكرية.

ثانيا، أن هنالك بعض القوى الدولية، مثل روسيا الاتحادية والصين الشعبية، التي تحت سقف الإدارة المتوترة للأزمة ترتاح لاستمرارها، باعتبار أنها تساهم بالنسبة لروسيا في رفع سعر النفط بشكل عام، ولكن تتيح للقوتين الكبيرتين تعزيز ورقتهما الإيرانية، وهي ورقة أساسية في المنطقة مقابل واشنطن، في حين أن أي توافق أميركي إيراني يعزز موقع الأولى في المنطقة بشكل كبير جدا، ويحرم موسكو وبكين ورقة أساسية في يدهما.

ثالثا، أن التشدد الإيراني لا يعني بالضرورة عدم الاستعداد للتحاور مع واشنطن، لا بل إن هذا التحاور قد يساهم في إراحة السلطة الإيرانية بعد تداعيات ما بعد الانتخابات الرئاسية، طالما أن هذا الحوار سيتناول كافة الملفات الخلافية ولن يركز، كما حاولت واشنطن أن تفعل دائما من قبل، على الملف النووي، كملف شبه وحيد أو كبوابة للدخول إلى الملفات الأخرى.

رابعا، أن طبيعة وتعقيدات النظام الإيراني والإرث الثقيل للعلاقات مع الولايات المتحدة وتشابك القضايا في المنطقة، عناصر تبطئ دون شك تفعيل سياسة الانخراط الأميركي مع طهران، كما ستبطئ دون شك الحوار الأميركي الإيراني متى بدأ، ولا يمكن بأي حال انتظار نتائج تغييرية بشكل سريع، ولكن يشكل تدرجي مع احتمالات توقف وتراجع أحيانا.

خامسا، كيفية طمأنة إيران على حقها في النووي المدني من جهة، وطمأنة المتخوفين من أن اجتياز إيران للخط الفاصل بين المدني والعسكري من جهة أخرى، سمتان أساسيتان في أي مفاوضات تحضيرية أو مباشرة ثنائية أو ضمن صيغة 6 زائد واحد، لكن ذلك كله مع الوقت يؤدي إلى احتمالات ثلاث: أولا، ما يعرف بالخيار الياباني وهو تملك قدرة الحصول على السلاح النووي بشكل سريع دون تطويره. وثانيا، الخيار الإسرائيلي وهو الحصول على النووي العسكري دون الاعتراف بذلك، وهو ما يعرف بالردع بواسطة الغموض.

وثالثا، الخيار الباكستاني الكوري الشمالي، وقوامه تفجير نووي كإعلان عن الدخول إلى النادي النووي، والحصول على المكانة التي تعطيها عضوية هذا النادي والدور الإقليمي الذي يأتي مع المكانة.

ويرى أكثر من مراقب أن الخيار الأكثر واقعية، فيما لو تم الانتقال من سيناريو إدارة التوتر إلى سيناريو عملية التفاوض المباشر، هو التوصل إلى الخيار الياباني الذي تضمن عدم تحوله إلى أحد الخيارين الآخرين في بيئة سياسية مختلفة نتيجة لهذا الانخراط، ضامنة ومطمئنة للمعنيين بهذا الخيار.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr