التحقيق المستقل الذي طلبناه بالأمس، والذي يطلبه كل الذين يهمهم كشف الحقائق، لا يستهدف مزيدا من الإثارة لا تتحمله القضية الفلسطينية في مواجهة التهديد والتهويد الصهيوني، بل يستهدف مزيدا من الإنارة لمنع الإثارة حول الجريمة التي استهدفت رمز القضية الفلسطينية، بتحقيق مستقل يضع حدا لتبادل الاتهامات الهوجاء، وبإسقاط الاتهامات عن الفلسطينيين غير المتورطين من الأبرياء، وكشف من عاونوا المتهمين الصهاينة الرئيسيين في تنفيذ اغتيال رمز القضية بهدف اغتيال القضية ذاتها..
ويستهدف منع توسيع دوائر الفتن بين الفلسطينيين، حتى لا تصبح المعركة بين «فتح» و«فتح» لاستعادة قيادة منظمة التحرير، أو ثأرا ل«أبو عمار» زعيم «فتح»، بعد أن كانت معركة ثأر سياسية لفتح مع حماس بعد خسارة الانتخابات، أو ثأر عسكري لفتح مع حماس لاستعادة غزة، بدلا من المعركة الحقيقية والثأر الطبيعي لفتح ولحماس ولكل الفصائل الوطنية معا، ضد المحتلين الصهاينة ثأرا لكل الشهداء، بمن فيهم الزعيم ياسر عرفات والشيخ أحمد ياسين، ولتحرير كل الأسرى ولاستعادة كل فلسطين.
فالاتهامات الموجهة للطرف الإسرائيلي وجهها شارون لنفسه وللطرف الصهيوني، إذ هو الذي أعلن أنه أبلغ بوش بتحلله من وعده للمصريين بعدم المس بعرفات، وهو من قرر في مجلس الوزراء المصغر «التخلص من عرفات»، وبحث البدائل بين الإبعاد أو الإقالة أو القتل.. وهو الذي خطط، والأرجح أنه نفذ بأدوات إسرائيلية أو غير إسرائيلية، ما يرجح أنه جريمة قتل.. وهو من سقط أخيرا بعد رحيل عرفات بمرض غامض في غيبوبة طويلة أشد وطأة من الموت، فلا هو حي ولا هو ميت!.
والاتهامات الموجهة لبوش الأميركي، وجهها بوش لنفسه، إذ هو الذي حرض الفلسطينيين علنا على عزل عرفات واتهمه بدعم الإرهاب، وهو من مارس الضغط لتقليص صلاحياته باختلاق منصب رئيس الوزراء، وهو الذي بارك وشارك شارون في قراره ب«التخلص من عرفات»، من العزل إلى الحصار إلى إعلان النوايا الشريرة بلا مواربة.. وهو من سقط أخيرا، بعد اغتيال الرئيس العراقي والرئيس الفلسطيني، في نظر شعبه وشعوب العالم، في مستنقع الإفلاس المالي والسياسي والأخلاقي ملاحقا كمجرم حرب!.
وما يرجح اتهام إسرائيل هو ما كشفته صحيفة معاريف الإسرائيلية قبل اغتيال عرفات، عن تقرير للمخابرات الإسرائيلية «الشاباك» يؤكد لشارون أن «فوائد» اختفاء عرفات «أكبر بكثير من الأضرار»، وأهمها «إضعاف مكانة القيادة الفلسطينية في العالم، مع احتمال نشوب حرب أهلية بين الفلسطينيين تشغلهم عن صراعهم مع إسرائيل»!.
فإسرائيل لم تخف فرحها الآن باختفائه، ولا بالصراع بين الفلسطينيين الذي راهنت عليه، بل إن تصفية عرفات جسديا نوقشت مرارا، ووضعت صورته مع أحمد ياسين ونصر الله والرنتيسي وآخرين، على قائمة التصفية المعلنة.. وهذه الشواهد والقرائن ليست سرية، بل تصريحات علنية وقرارات رسمية في محاضر الحكومة الإسرائيلية، ويمكن لأي تحقيق دولي بقرار من مجلس الأمن الدولي الكشف عنها. لذلك لا يمكننا نفي قتل عرفات إسرائيليا، والعكس هو ما يحتاج إلى إثبات.
وأخيرا.. أفلا تستحق جريمة اغتيال عرفات، فتح تحقيق دولي مثلما يجري في جريمة اغتيال الحريري؟ أم أن عدالة مجلس الأمن الدولي تسعى لإدانة سوريا في الجريمة الأولى، وتبرئة إسرائيل من الجريمتين؟!