ما وصفه الرئيس الأميركي أوباما بـ «الخلاف العائلي» بين إدارته والحكومة الإسرائيلية، يدخل في مرحلة جديدة سوف تكون لها آثارها المهمة على التطورات المقبلة. كانت لغة أوباما (وبعده وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون وغيرها من المسؤولين الأميركيين) قد مالت إلى شيء من الليونة تجاه حكومة نتانياهو، فخفت حدة الحديث القاطع عن وقف الاستيطان، ليحل محله الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاقات أو تفاهمات حول هذه القضية الأساسية، مع ربطها بالحديث عن تنازلات وخطوات على طريق التطبيع من جانب العرب!!.
كان ذلك في ما يبدو ما توصل إليه ميتشل المبعوث الأميركي، في مباحثاته مع باراك وزير الدفاع الإسرائيلي، الذي يقوم في الحقيقة بمهام وزير الخارجية في ما يتعلق بقضايا التسوية والتفاوض مع الإدارة الأميركية، بعد استبعاد أي دور لوزير الخارجية ليبرمان المقاطع من أغلب دول العالم.
وكان ما تم تسريبه يدور حول السماح باستكمال بناء أكثر من ألفي وحدة سكنية، قالت إسرائيل إنها بدأت العمل فيها، مع التعهد بعدم إنشاء مستوطنات جديدة، وإزالة البؤر الاستيطانية الصغيرة التي تصفها إسرائيل بأنها غير قانونية (وكأن غيرها من المستوطنات يمكن أن يكون قانونياً!).
وكان هذا الحل المقترح يمثل نوعاً من الخداع الذي تجيده إسرائيل، فهو يكسر المبدأ الخاص بوقف الاستيطان كشرط لاستئناف أي عملية تسوية سياسية، ويتيح لإسرائيل الاستمرار في البناء على أرض الضفة، ولو بصورة جزئية. وهو يحاول إيهام العالم بأن إسرائيل قدمت «تضحيات عظيمة» لا بد أن تتقاضى ثمنها، حين تزيل بضع بؤر استيطانية لا يزيد عدد المقيمين فيها على عدد المقيمين في فندق متوسط.
وكان الثمن الذي تطلبه حكومة نتانياهو يعني نسف العملية من أساسها، فهي لم تكتف بما تمارسه واشنطن على العرب لانتزاع خطوات تطبيعية، من أجل «تشجيع» إسرائيل ومكافأتها على تجاوبها مع جهود التسوية، حتى ولو كان التجاوب مجرد إزالة بضع بؤر استيطانية لا يزيد عدد مساكنها على 500 مسكن، بل أرادت أن تكون الجائزة هي خطوة كبرى على طريق حسم مستقبل القدس.. ويا لها من جائزة!!.
وهكذا أعلنت حكومة نتانياهو عن برنامج جديد للاستيطان في القدس الشرقية، مؤكدة أن القدس خارج النقاش، وأنها ستبقى العاصمة الموحدة لإسرائيل، ولن تقبل أي جدال حول حقها في استكمال تهويدها بكل الطرق.
كانت حكومة نتانياهو تدرك أن ربط قضية الاستيطان بمصير القدس، سوف يقيد حركة أوباما، وسوف يعطيها مساحة للمناورة والضغط من خلال أنصارها في الكونغرس الأميركي، وأنها في كل الأحوال ستحقق ما يعزز مركزها، وما يستنفد جهود الإدارة الأميركية ويعطل خطواتها.
لكن الجديد هنا أن هذا الموقف الإسرائيلي تمت مواجهته بموقف واضح من الإدارة الأميركية، يصر على وقف الاستيطان في القدس، ويؤكد أن مصير المدينة المقدسة سوف يحسم في مفاوضات الحل النهائي. ولم يكن الموقف الأميركي وحيداً في هذا الشأن.
فقد كان هناك موقف حاد من رئاسة الاتحاد الأوروبي التي تتولاها السويد الآن، ومن روسيا الاتحادية، ومن فرنسا التي شاركت الولايات المتحدة في استدعاء السفير الإسرائيلي، للتشديد على ضرورة وقف الاستيطان في الضفة وفي القدس الشرقية.
هل كان رد الفعل هذا أكثر مما توقعه نتانياهو.. أم أنه كان يجر الجميع إلى المنطقة التي يستطيع التحصن فيها، وهو يخوض المعركة من أجل إجهاض كل محاولات إقرار السلام في المنطقة؟.. وهل توجد منطقة أفضل من «القدس» ليجمع حوله كل يهود العالم، خاصة وهو يدرك أن ما تبحثه الإدارة الأميركية وحلفاؤها الأوروبيون من مقترحات للتسوية، لا يمكن أن يسلم له بالسيطرة الكاملة على القدس، وأن الحديث يدور حول العودة (بشكل أو آخر) لمقترحات طابا، التي أدارها الرئيس الأسبق كلينتون بشأن تقاسم السلطة في المدينة، أو اللجوء لنوع من التدويل أو الإدارة المشتركة؟!.
ويبقى السؤال: أين نحن مما يجري؟ وهل يكفي بيان من الجامعة العربية يدين الاستيطان في القدس أو تصريح لهذا الطرف العربي أو ذاك يطالب بالحقوق العربية؟ لا أريد أن أنكأ الجراح مرة أخرى، بالحديث عن استمرار الخلافات العربية أو الانقسام الفلسطيني في هذه الظروف الحاسمة، ولكني أرجو أن نلتفت قليلاً إلى ما بدأ يتكشف من انتشار خلايا التطرف المرتبط بفكر «القاعدة» في أكثر من بلد عربي.
وفي الأيام الأخيرة فقط، كان اكتشاف لعدد من هذه الخلايا والتنظيمات في لبنان ومصر، لتنضم إلى دول أخرى من اليمن والسعودية حتى موريتانيا، وتتغلغل في معسكرات اللاجئين الفلسطينيين، وتتواجد في غزة والضفة.
صحيح أنها لم تبلغ حد الخطر، ولكنها تعمل في ظل أوضاع بالغة الحساسية، وتستغل ما يجري في أفغانستان وفي العراق وإيران، وقد علمتنا التجارب أن اختراق مثل هذه المنظمات سهل، وأن توجيهها لتعمل ضد مصالح الأمة ممكن، وأن أسوأ ما يحدث لنا أن يحاول العدو الإسرائيلي الهروب إلى الأمام بتفجير الموقف هرباً من حصار العالم له، فيحاول البعض منا الهروب إلى الخلف وتقديم «الهدية المسمومة» التي تتيح لإسرائيل أن تتخلص من حصار العالم لها، وتترك المسؤولية في رقاب العرب والمسلمين!!
كاتب مصري
