لو كانت قيادة «الحركة الشعبية» الجنوبية في السودان، صادقة حقا في دعوتها الإعلامية نحو وحدة البلاد، لما كان للنزاع حول منطقة «أبيي» أن ينشأ أصلا. فماذا يضير الحركة لو كانت أبيي واقعة جغرافيا داخل الإقليم الجنوبي أو في أقصى الشمال، إذا افترضنا صحة طرحها بأنها تفضل الوحدة على الانفصال؟.

المؤشرات المتواترة، منذ التوقيع على اتفاقية نيفاشا للسلام ووضعها موضع التطبيق على مدى السنوات الأربع الأخيرة، لا تفيد إلا بأن قيادة الحركة الجنوبية توصلت إلى قناعة بتبني خيار انفصال الجنوب عن الشمال، لإقامة دولة مستقلة لأهل الإقليم.

وبناء على هذه القناعة واستعدادا ليوم الانفصال، أثارت الحركة الضجة بشأن مصير أبيي، من قبيل الاستحواذ على أكبر قدر من المكاسب لتوسيع الرقعة الأرضية للإقليم الجنوبي، وعينها على حقول النفط الواقعة على أرض متاخمة للمنطقة موضع النزاع، مدعية حقا في امتلاك هذه الحقول.

الآن حسمت محكمة العدل الدولية الأمر بإصدار قرار نهائي يقضي بترسيم حدود منطقة أبيي، بما يثبت ملكية شمال السودان للحقول النفطية، علما بأن هذه الحقول تقع ضمن مساحة قدرها عشرة آلاف كيلومتر مربع، هي التي أعيدت إلى الشمال.

لقد جاء قرار محكمة لاهاي ناقضا جزئيا لتقرير لجنة دولية متحيزة، كان يرأسها السفير الأميركي الأسبق لدى السودان دونالد باترسون.. وهو رجل لم يعرف عنه سوى كراهيته للشمال السوداني وأهله. لذا لم يكن غريبا أن لجنة باترسون تعمدت تجاوز التفويض المحدد الذي منح لها.. الأمر الذي انتقده قاضي محكمة لاهاي.

وهكذا اتضحت طبيعة النزاع حول أبيي. في إطاره الضيق يبدو وكأنه نزاع بين قبيلة المسيرية العربية وقبيلة الدينكا غير العربية، أو خلاف بين شريكي السلطة المركزية: حزب «المؤتمر الوطني» و«الحركة الشعبية». لكنه في إطاره العريض والصحيح، نزاع بين الشمال الإسلامي العربي والجنوب الوثني غير العربي.

لذا فإن من الغريب المستهجن أن قيادات سياسية شمالية على صعيد المعارضة، اتخذت لنفسها موقفا «محايدا» تجاه النزاع، متمنية أن يصدر قرار المحكمة الدولية لصالح الجنوب، حتى يعد القرار بمثابة هزيمة سياسية لحزب «المؤتمر الوطني» الحاكم.

إنه موقف مؤسف. هكذا تخطو مثل هذه القيادات إلى درب أسفل، بتحكيم دوافع الخصومة الحزبية على حساب قضايا مصيرية لأهل الشمال.

opinion@albayan.ae