هل يحتاج الوطن العربي والإسلامي، أو العالم في منطقة الشرق الأوسط إلى المزيد من العنف، وعدم الاستقرار، وإلى المزيد من أعمال العنف والإرهاب، لا سيما بعد أن سيطر الإحباط واليأس على غالبية الناس والعامة منهم، سواء في الأراضي المحتلة من فلسطين، أو في أرض الكنانة، أو في جزيرة العرب؟
كان العراق، والسودان، محكاً لتحقيق ما تصبو إليه تلك الجماهير، كان الحلم في حياة أفضل طاغياً لدى الناس في هاتين الدولتين، وكانت القوى الفاعلة في المجتمع تنزع إلى دولة عادلة وديمقراطية، إلا أن القوى الخارجية التي لم تكن ترغب في تحقيق هذا الحلم، كانت أقوى من تلك التي في الداخل التي لم تستطع تحقيق الحلم، وساهمت تلك القوى في إجراء الولادة القيصرية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر..
وهذه القوى الخارجية نفسها هي التي رفضت مشروع الدولتين في فلسطين، بعد قيام الدولة الإسرائيلية، وليس الدولة الصهيونية، كما تطلب القوى اليمينية في إسرائيل، وواجهت مشروع ياسر عرفات من خلال اتفاق أوسلو، ووضعت العراقيل أمام السلطة الفلسطينية من خلال أطروحات «أبو مازن»، ووضعت ترسانة الرفض أمام مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، الذي طرح أهمية حوار الديانات.
وحاولت أن تهمش دور مصر الذي يشكل محوراً أساسياً في الصراع العربي الإسرائيلي، وساهمت في تعزيز دور القوى الدينية في الشرق الأوسط، إذ كانت شرارة المقاومة قد انطلقت من القوى التقدمية في جنوب لبنان.
والتي كانت ترفع راية المقاومة من خلال تاريخ حركة المقاومة منذ الحرب الاسبانية، وإلى مرحلة مقاومة الحركات الفاشية، والتي أكدت في أكثر من مناسبة على أهمية الاهتمام بالجانب الإنساني، والذي لا يفرق بين الناس والأجناس حسب ديانتهم أو طائفتهم، لأنها تحمل حلم الإنسان في التعايش السلمي بين الجميع، إلا إن المشاريع الأخرى كانت ترى في ذلك خط تماس خطيرا، بين حلم الاستقرار وحلم الصراع من أجل النخبة، سواء في الشرق أو في الغرب.
في هذه اللحظة تذكرت أنني أعيش بين مئات من البشر، أولئك الذين يعيشون معي في كل يوم، أمامي، أو خلفي، أو على اليسار، أو اليمين، والأصعب أولئك الذين يعيشون في الوسط، حيث لا أستطيع متابعتهم بشكل دائم.
أحسست للحظة من الزمن أن هنالك من يحاول أن يدق عنقه من كافة الاتجاهات، حتى بروتوكولات حكماء صهيون، أو القومية العربية، أو مؤتمرات الأممية، أو غيرها، تحاول كلها الوصول إلى ذلك المكتب البسيط.. قلت: لحظة!! هل من الممكن تأجيل هذا الصراع، للحظات بسيطة، حتى أستطيع ترتيب أوراق عمرها أكثر من قرن من الزمان؟ وهل علي أن أحرق هذه المكتبة؟ أو أن أرفع سيفاً لا يرحم أحداً؟ الوثائق تدخلنا في عالم من التناقضات التي لا ترحم أحداً..
فمن أوراق القيادات الوطنية الفلسطينية، إلى أوراق المؤامرة العالمية على فلسطين، إلى الخيانات العظمى في العالم!! تلك الأوراق لا تترك مجالاً للمناورة، وفي كل مرحلة تبرز حقائق، فمن القطار الأمريكي في بغداد، إلى تحالف مركز الحرية في الغرب مع الحركة الصهيونية عالمياً، في عملية تهدف إلى التخلص من انتشار اليهود وسيطرتهم في العالم على حساب المد القومي العربي، إلى مرحلة التخطيط لحلم العرب في الوحدة، إلى تحقيق حلم شعب لا يملك أرضاً وهم اليهود، في إقامة دولة تؤدي إلى تشريد من يملك الأرض ويعيش عليها، إلا أنه كان في الساحة الرافضة لحلم الإنسان في الوطن والحرية، وبداية مرحلة التيه على مدى ستين عاماً.
وبرز من جديد، تحقيق حلم كان قراراً دولياً في إقامة دولتين بين قوى التاريخ، وقوى الواقع الجديد، إلا أن الضعف الواقعي والاعتماد على المزايدة، أضاعا الفرصة التاريخية على شعبين (إذا جاز التعبير)! في تلك اللحظة يتذكر من يمتلك الذاكرة، أن الحبيب بورقيبة طرح الحل التاريخي لتلك الإشكالية والتي تمتد لأكثر من قرنين من الزمان، إلا أن القوى الغبية رفضت المشروع، وكأنها تريد المزيد من المآسي للإنسان الفلسطيني..
وجاءت مبادرة الرئيس الراحل أنور السادات، إلا أن تلك المبادرة رفضت أيضاً، وكم كانت النتيجة محزنة، فلم تكن الدول العربية، أو القوى التي تدعي أنها تمتلك القوة لتحقيق الحلم في إقامة الدولة الفلسطينية بالحق التاريخي، قادرة على تحقيق هذا الهدف.. حتى أن ياسر عرفات لم يقنع تلك القوى، بالرغم من أنه ارتضى بالدولة في غزة، مقبرة القوى العالمية الغازية على مر التاريخ، إلا أن حلم أبو عمار لم يتحقق بالرغم من أن حلمه في الإقامة على أرض فلسطين قد تحقق.
بقي أن الواقع الحالي، يؤكد على أن هنالك فرصة أخيرة يسعى إليها رئيس الولايات المتحدة الأميركية، الرئيس أوباما، والذي يعمل جاهداُ وبجد ومثابرة من أجل إقامة دولتين، الدولة الإسرائيلية، (وليس اليهودية)، والدولة الفلسطينية. نعم، مشروع الدولتين ذي الجذور التي تعود إلى قرارات الأمم المتحدة في العقد الرابع من القرن الماضي، حينما كانت موازين القوى العالمية، كما هي الآن، تؤمن بضرورة تحقيق حق الشعوب في امتلاك كيان يحفظ للجميع حقوقهم.
وما يرجوه كل من يفهم التاريخ، هو ألا تضيع فرصة حق شعب في إقامة دولته على أرضه، في لحظة ربما لن تعود إلا بعد قرن من الزمان. والعالم مطالب بإزالة العقبات أمام تحقيق هذه الدعوة من أوباما، والعقبات ليست عربية بالتأكيد فحسب.. إنها عقبات صهيونية وإسرائيلية دأبت على إجهاض أية محاولة للسلام في المنطقة.
وقد بدأت تلك القوى الصهيونية جهدها لإجهاض المحاولة بطروحات غير مقبولة، مثل يهودية الدولة الإسرائيلية، وإلغاء حق العودة، وعدم تسليح الدولة الفلسطينية، وتوسيع المستوطنات، واعتبار القدس «عاصمة موحدة لإسرائيل»، وغير ذلك من الشروط التي يتفتق عنها ذهن العنصريين الصهاينة، والتي يعرفون بالتأكيد أنها لن تلقى قبولاً من العرب، وبالتالي فإنهم يعملون على وأد المبادرة قبل ولادتها!!
رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»
