لم ينصف رحالة غربي العرب بقدر ما أنصفهم الإنجليزي ولفرد ثيسغر (1910ـ 1993)، الذي لم تكن زيارة الحواضر العربية من صلب اهتمامه وشغفه، بقدر ما كانت تستهويه تلك الأجزاء البعيدة التي لم تطأها الأقدام الأوروبية، والتي كان أهلها يعيشون حياتهم كما توارثوها منذ زمن سحيق، دون أن تفسدها مظاهر المدنية الحديثة.

تؤيد ذلك رحلاته التي جال فيها جنوب الجزيرة العربية، وقطعه للربع الخالي مرتين، وأسفاره في عُمان وأجزاء كثيرة من دولة الإمارات العربية، في الأربعينات من القرن الماضي، وتلك المدة الطويلة التي قضاها في «أهوار جنوب العراق» في الخمسينات!!

بل إنه قام بجولات أخرى كثيرة في كردستان وإيران، حيث قطع صحراء لوط وشاهد قبائل البختياري والقاشاقي وهي تتنقل بين مضاربها الشتوية في شمال الخليج العربي، ومراعيها الصيفية على جبال زاغروس. ثم رحلاته في أفغانستان ومناطق الهملايا في كل من الهند وباكستان. وقبل ذلك، تجواله في أثيوبيا في ثلاثينات القرن الماضي، فضلاً عن مناطق دارفور والصحراء الكبرى. وحينما طغت المدنية على أجزاء العالم كلها، اختار ولفرد ثيسغر كينيا ليعيش فيها مجاوراً إحدى قبائلها، التي ظلت بمنأى عن مظاهر التغير التي لفت أرجاء المعمورة الأربعة، والتي كان يمقتها ثايسغر أشد المقت!!

عَبر ولفرد ثيسغر، الذي عرف بين قبائل الجنوب ب«مبارك لندن» الربع الخالي مرتين، ولم يكن الرائد في ذلك، إذ سبقه إلى ذلك المغامران البريطانيان برتراند توماس وجون فيلبي في العام 1930. بيد أن رحلتي ثايسغر والمناطق التي مر بها، لا شك أنها أصعب بما لا يقاس من تلك التي ارتادها مواطناه. فقد قام برحلته الأولى في شتاء عامي 1946-1947 وألحقه في الشتاء التالي بعبور ثان، قطع فيهما معظم أجزاء الربع الخالي المهمة من أطرافه الأربعة.

وكان ثيسغر آخر الرواد في عالم الرحلات والمغامرات الذين لم يستعينوا بوسائط النقل الحديثة، بل قطع تلك الفيافي والقفار على ما كان يستخدمه سكانها الأصليون من وسائل نقل، فاتخذ «سفينة الصحراء» ليقطع بها الربع الخالي، مع ثلة من أهالي تلك المناطق العارفين بدروبها، مستعينين بأقل القليل من الزاد والماء، مما لا يتحمله بشر سوى أولئك الذين عشقوا المغامرة وطلبوا المجد.

وفي رحلته الثانية التي بدأها من الأجزاء الغربية من الربع الخالي المحاذية لنجران ومنطقة «وادي الدواسر»، انتهى به المطاف إلى مدينة أبوظبي ثم العين ليحل ضيفاً على حاكمها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، حيث وجد فيه شاباً حاذقاً مفعماً بالحيوية، عالماً بأحوال البادية وقبائلها، محبوباً عند أهلها مقيماً للعدل بينهم، ثم زاره في السنة التالية (1949) ليذهب بمعيته إلى القنص على الطريقة التقليدية (أي بواسطة الجمال وباستخدام الصقور) في الربع الخالي، الذي كان مليئاً آنئذ بالحبارى والأرانب والغزلان، وليسجل ذلك في كتابه الشهير «الرمال العربية».

وكم أعجب ثايسغر بخصال أهل البادية، من كرم وشجاعة وصبر وجلد على بيئتهم القاسية، حيث وجد لديهم كرماً وترحيباً بالضيف وإغاثة للملهوف لم يعهدها في سواهم، فها هو وصحبه يمرون في إحدى القفار ويلقون بدوياً ليس لديه من حطام الدنيا إلا بعض من الأباعر يعتاش عليها، فيصر عليهم هذا البدوي بالنزول ضيوفاً عنده لينحر لهم أحدها و«يقلّط» ضيوفه أولاً، ثم الآخرين الذين يرونها مناسبة للتجمع والتسامر، وتذوق شيء من «العيش» واللحم اللذين يحرمون منهما طويلاً ليعتمدوا على «حليب النوق» وحده!!

فقد سأل ثيسغر مرافقيه مرة، حينما وجد بعض البدو وقد خيموا في مكان لا ماء فيه وأقرب بئر لهم يبعد مسيرة عدة أيام عل ظهور الجمال، فقال صاحبه البدوي (الدِّليلة) إنه ما دامت الإبل ترعى والأعشاب مخضرة، فإنها تدر حليباً وهو غذاء هؤلاء و(ماؤهم) لشهور عديدة، هي شهور الشتاء والربيع!!

أما عن جَلَدهم وتحملهم للشدائد وعدم تهيبهم لقطع الفيافي والقفار، فإنه يقول إنه قد شعر بضجر وبجوع وعطش في إحدى الليالي، حيث كان المقرر لهم يومياً شرب قدح صغير من الماء في الرحلة الأولى التي قطع فيها الربع الخالي، فسأل مرافقه عن عدد المرات التي قطع فيها هذه الصحراء الموحشة، فأجاب: مرتين، كانت الثانية أن قطعتها وحيداً!! فأخذ العجب ثيسغر واعتراه الخجل كونه برفقة مجموعة من الأشاوس الشجعان، وهو بهذه الحال من الوجل، فكيف كان سيكون حاله لو كان وحيداً!!

ولم يكن الرحالة ولفرد ثيسغر (مبارك لندن) من أولئك الذين يرومون تحقيق أهداف شخصية مادية، أو من أولئك الذين بعثتهم شركات النفط أو الدول الأخرى تحقيقاً لمصالح أو للتجسس، بل كان كل همه أن يكتشف تلك الأماكن والزوايا من العالم التي لم تطلها يد التغيير، والتي بقت على حالها منذ الخليقة الأولى. وكان يشعر بين أهل البادية بالراحة والسكينة والطمأنينة، وهو الشيء الذي افتقده بين بني قومه.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com