هل قُتل «أبو عمار»؟ و.. من قتل «الختيار»؟.. وأسئلة كثيرة ظلت معلقة لخمس سنوات، أثارها الرحيل المأساوي بمرض غامض لرجل تاريخي بوزن وتأثير الشهيد ياسر عرفات، الذي مهما كان الخلاف معه أو حوله من هذا الفصيل أو ذاك، فلقد بقي في أنظار المخالفين له والمؤيدين، على المستوى الفلسطيني والعربي أو الدولي، هو الزعيم المؤسس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» منذ الفاتح من يناير عام 65، والقائد الميداني للثورة الفلسطينية، والرمز السياسي للقضية الفلسطينية على مدى نحو أربعين عاما.
وبينما ظلت إجابة الأسئلة الكثيرة في غياب التحقيقات، تستند على شواهد وقرائن وتحليلات وروايات صالحة للتحقيق السياسي لا القضائي، ومائعة لا جامعة ولا مانعة، بغياب الحقائق الدامغة والأدلة القاطعة لغياب تحقيق جنائي.. فقد بقيت غامضة بغموض نوع المرض، وبغموض التقرير الطبي الفرنسي عن أسباب الوفاة، وبغموض الأسباب التي منعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وقادة الدول العربية الذين حضروا جنازته العسكرية في القاهرة، من طلب إجراء تحقيق دولي!
الشواهد والقرائن والروايات والتحليلات الإسرائيلية والأميركية والعربية كلها، سواء قبل رحيل عرفات أو بعد رحيله، رجحت الجريمة على المرض، والاغتيال على الوفاة، وبالسم أو بالإشعاع القاتل على أي وسيلة أخرى، وأشارت بأصابع الاتهام إلى طرف إسرائيلي قرر وطرف أميركي برر!
فلا إسرائيل ولا أميركا أخفتا نواياهما الشريرة ل«التخلص من عرفات»، منذ رفضه التوقيع في «كامب ديفيد» الثانية على مشروع التسوية بالشروط الصهيو أميركية، ولا أخفى بوش أو شارون فرحتهما برحيله، بل استثمرا تلك الجريمة ضد الرئيس الفلسطيني وما سبقها من اعتقال للرئيس العراقي، في توجيه رسالة تهديد لكل القادة الفلسطينيين والعرب المقاومين أو المناهضين للمشروع الصهيو أميركي!
لكن الجديد هو «القنبلة الوثيقة» التي فجرها في «عمان» قبل أيام فاروق القدومي، أحد أبرز القادة التاريخيين المؤسسين لحركة «فتح» وأمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي يتهم بموجبها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي حل محل عرفات، بالتورط في التخطيط مع شارون وموفاز لقتل عرفات، والقائد الأمني محمد دحلان بالمشاركة في التخطيط والتنفيذ، وهو الذي سبق له أن هدد الرئيس عرفات عام 2003 بإنذار علني بقبول الشروط قبل العاشر من أغسطس.. وإلا!!
وهو اتهام أكثر من خطير، لمكانة وموقع وتاريخ «المتهِم»، و«المتهَم»، وكلاهما من «فتح»، لا من حماس التي نشرت ذات الوثيقة بعد اغتيال عرفات، وهو ما خلط الأوراق بصورة غير مسبوقة، وفتح الباب لانقسامات فلسطينية جديدة، ليس بين فتح وحماس فقط، ولكن بين فتح وفتح أيضا، بما لا يمكن لقيادات السلطة أو المنظمة أو الحركة الفلسطينية تجاهله باعتباره «أكاذيب مفبركة» أو مجرد «زوبعة في فنجان»!!
إذ أن سيف الاتهام سيظل مسلطا ومهددا بالفتنة السياسية، لشغل الفلسطينيين بأنفسهم لا بتهديدات وتهويدات عدوهم الصهيوني لوطنهم، وهو ما لا يتمناه أي من الفلسطينيين أو العرب أو المسلمين، حتى يتم تشكيل لجنة تحقيق مستقلة عربية أو إسلامية أو دولية، تفصل ما بين التحقيق السياسي القضائي، وما بين الكذب والصدق، وما بين الادعاء والحقيقة.. بدلا من بقاء شبهة القتل تلاحق «أبو مازن» أو شبهة الكذب تلاحق «أبو اللطف»!