إذا كانت السياسة العمانية قامت على مد أواصر الصداقة والمحبة وبناء جسور العلاقات مع مختلف دول العالم بشكل عام، على أساس من الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، واعتماد الحوار وسيلة مثلى في حلحلة الخلافات، فإن هذه العلاقة كانت لها خصوصيتها مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وترجع هذه الخصوصية إلى اعتبارات عدة منها التواصل الثقافي والاجتماعي والديني والجغرافي والموارد وتقاسم الحدود.
ومنذ قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية بدءًا من اجتماعات وزراء خارجية دوله في فبراير 1980 بالرياض والتوقيع على وثيقة إعلانه، مرورًا باجتماعات مسقط في مارس وإقرار مشروعات النظام الأساسي له وفي مايو من نفس العام بأبوظبي للإعداد لأول قمة لأصحاب الجلالة والسمو القادة، وصولاً إلى عام 1981 الذي شهد ولادته بأبوظبي، دأبت السياسة العمانية جنبًا إلى جنب مع سياسات دوله الأعضاء على رفد جهود المجلس والسير به نحو تحقيق الأهداف المرجوة من إنشائه، والعمل على إعطائه ثقله السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني الذي يستحقه على المسرح الدولي، والعمل على هيكلة مؤسساته وصياغة سياساته ووضع برامج عمله، والتنسيق والتشاور والتعاون المشترك في مختلف المستويات والتوجهات.
إيمانًا من أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس بأن عالم اليوم لا يعترف إلا بالأقوياء، ولا بد من استثمار هذا المخزون البشري والمادي في بناء منظومة موحدة لمواجهة الصعاب والتحديات القائمة، خاصة وأن في فترة قيام المجلس كانت هناك تداعيات وتحديات أمنية تشهدها المنطقة سواء الحرب العراقية ـ الإيرانية، أو الاحتلال الإسرائيلي الذي أخذ يعيث فسادًا ويعربد في الأرض الفلسطينية تقتيلاً وتشريدًا ضد الشعب الفلسطيني، وبما أن منطقة الخليج تصنف على أنها من أهم مناطق الثروات وتمد دول العالم بموارد الطاقة بنسبة تزيد على السبعين في المئة، فإن الضرورة استدعت التوحد في إطار المجلس لدرء المخاطر عن المنطقة وتجنيبها ويلات الحروب.
وعلى مدى ثمانية وعشرين عامًا من عمر مجلس التعاون ظل المجلس شامخًا بين التكتلات العالمية، وحقق نجاحات منقطعة النظير في التكامل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي وعلى كافة الصعد التي يهدف من ورائها قادة دول المجلس إلى وحدة شعوب دولهم، وتجاوز أحلك الظروف والعقبات، فقد استطاع أن يكون على مستوى طموحات مواطني دوله سواء بإعلان السوق الخليجية المشتركة والاتحاد الجمركي، وحرية التملك ومزاولة الأنشطة الاقتصادية بين مواطني دول المجلس، أو الربط الكهربائي أو السماح بتنقل رؤوس الأموال والاستثمارات وإتاحة فرص العمل في جميع القطاعات الحكومية والخاصة، والاستفادة من الخدمات التعليمية والصحية، وحرية التنقل بالبطاقة الشخصية إلى جانب التنسيق والتعاون العسكري والأمني وغيرها الكثير.
ولقد سعت السلطنة بفضل خبراتها ومكانتها وعلاقاتها الطيبة مع دول العالم بشكل عام وعلاقاتها الممتازة بجيرانها غير الأعضاء في المجلس إلى تنشيط وتفعيل دور مجلس التعاون وتطويره كمكون سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي مهم عربيًّا ودوليًّا، ليتمكن من القيام بتكريس المواطنة الخليجية وتحقيق تطلعات مواطني دوله، حيث كانت لقاءات جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ مع إخوانه قادة دول المجلس سواء من خلال القمم الدورية للمجلس أو عبر الزيارات الرسمية والخاصة محركًا ومطورًا لمسيرة مجلس التعاون.
وفي إطار تنسيق الجهود والتشاور حول ما يخص هموم المواطن الخليجي وهموم المواطن العربي. وبفضل السياسة الحكيمة لجلالته استطاع أن يعطي مسيرة المجلس قوة دفع إلى الأمام واستمرارية من خلال التوقيع على اتفاقيات الحدود مع جارات السلطنة من دول المجلس، ما أسهم في إعطاء العلاقة قوة وصلابة، كما أن عاهل البلاد المفدى حريص أشد الحرص على بقاء مجلس التعاون كمنظومة موحدة والمحافظة على مكتسباته ومنجزاته، وقد بدا ذلك خلال ترؤسه القمة التاسعة والعشرين التي عقدت في مسقط يومي الـ29ـ30 من ديسمبر 2008م، حيث أكد في كلمته الافتتاحية "إننا بعون الله وتوفيقه عازمون على الحفاظ على المكاسب التي تحققت في دولنا ولمواطنينا، والعمل على مزيد من البرامج الإنمائية الشاملة ذات البعد الاستراتيجي في إطارها الوطني والجماعي".
إن الدور الإيجابي الفاعل الذي تلعبه السلطنة في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية على كافة الصعد التعاونية، إنما يعبر عن الفكر الوحدوي والتوحيدي والإرادة الصلبة والعزيمة المخلصة والحكمة وبُعْد النظر واستشراف آفاق المستقبل لدى قائد مسيرة النهضة العمانية المباركة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه.
