مصر جزء رئيسي مضيء في التاريخ العربي والإسلامي، وثورة يوليو جزء رئيسي مضيء في تاريخ مصر، وجمال عبد الناصر هو أبرز صناع هذه الثورة ورمز مصري وعربي إنساني مضيء في تاريخها، ولا يمكن إسقاط هذه الأجزاء المضيئة من التاريخ المصري والعربي، بعدما أصبحت الثورة جزءاً من التاريخ وليس من الماضي، و«الفارق كبير بين الماضي والتاريخ».
كما يقول الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل منظر الثورة، مثلما «الفارق أكبر بين الذين صنعوا الثورة المصرية ومن صنعتهم الثورة المصرية»، كما يقول الثائر الكبير حسين الشافعي أحد أهم صناع الثورة.
الماضي في رأي هيكل، ينتسب إليه الحدث الذي ينتهي أثره بفترة قصيرة من الزمن، ليبقى في الماضي ولا يمتد تأثيره إلى الحاضر، بينما التاريخ هو الحدث الذي يحدث في الماضي، ويمتد تأثيره في الحاضر ويستمر لعقود من الزمن، بما قد يفتح الطريق لأحداث ذات قيمة في المستقبل.. وكل الشواهد بما فيها استمرار حملات الهجوم المحمومة على الثورة وعلى قائدها عبد الناصر، تشير إلى أنها أحد أهم الأحداث التاريخية المصرية.
والذين صنعوا الثورة المصرية تعبيرا عن الشعب المصري الذي أيدها منذ اللحظة الأولى، وأخلصوا لأهدافها التحررية الوطنية، تحريرا للوطن من الاستعمار وتحريرا للمواطن من الاستغلال ومن الفقر والجهل والمرض، هم الذين دفعوا الثمن وماتوا فقراء.. لكن الذين صنعتهم الثورة أو ركبوا موجتها وصولية أو انتهازية لتحقيق مصالحهم الضيقة دون أصالة ثورية، ودون أن يخلصوا لها، هم الذين انقلبوا عليها اليوم ولو بلا ثمن!
ولا يمكن قراءة التاريخ المصري دون استعراض الثورات المصرية التحررية الوطنية، أو ضد المظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عاناها الشعب المصري في ظل الامتيازات الأجنبية والطبقية عبر القرون..
بدءاً بثورات علماء الأزهر الشريف ضد الحملة الفرنسية بقيادة نابليون، ومرورا بثورة أحمد عرابي ضد الخديوي وضد الامتيازات الأجنبية التي انتهت بتدخل الإنجليز، وانتهاء بثورة الشعب المصري ضد الإنجليز عام 1919 بقيادة سعد زغلول طلبا للاستقلال، والتي انتهت بانسحاب الجيش البريطاني إلى منطقة القناة، والإقرار بالاستقلال الشكلي، مع استمرار النفوذ البريطاني على الحكم في مصر، واستمرار المظالم الاقتصادية والاجتماعية لعموم الشعب المصري حتى عام 52.
وجاءت ثورة 23 يوليو عام 52 بقيادة جمال عبد الناصر، كتتويج لكل ثورات الشعب المصري ضد المستعمرين طلبا للاستقلال الحقيقي، وضد المستغلين المصريين الذين ارتبطت مصالحهم مع مصالح المستعمرين على حساب الشعب المصري الذي كانت غالبيته تعاني الفقر والجهل والمرض، وحددت الثورة أهدافها لتحرير الوطن من سيطرة المستعمرين، وتحرير المواطن المصري من ظلم المستغلين، ونجحت في طرد المستعمرين كثورة وطنية، وإنهاء استغلال المستغلين كثورة اجتماعية.. وبقيت المسألة الديمقراطية بمفاهيمها وضماناتها المختلفة، هي موضوع الخلاف بين المتحاورين.
لكن القوى الاستعمارية القديمة والجديدة، والقوى المستغلة القديمة والجديدة التي ترتبط مصالحها بمصالح تلك، لم تغفر للثورة ولا لقائدها التمرد عليها ولا تحديها وتصفية مصالحها في مصر والتصدي لمشاريعها في المنطقة، فعادت للانقضاض على الثورة بواسطة قاعدتها الصهيونية في عدوان 67، في محاولة لتصفيتها وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل ,52.
ورحل عبد الناصر، بينما بقي الصراع مستمرا بين الشعب المصري وكل المستعمرين في الخارج والمستغلين في الداخل، خصوصا وأن ثورة يوليو ليست جزءاً من الماضي، وإنما هي جزء مضيء من التاريخ.