مع كل تبدل في رئاسة الاتحاد الأوروبي، ينطرح مصير البناء الأوروبي الموحّد؟ وإلى أين سيمضي؟ ومثل هذا السؤال ينطرح بقوة أكبر اليوم مع تولّي السويد «ذات الهوى الأوروبي المتأجج» رئاسة الاتحاد، بعد الجمهورية التشيكية «ذات الهوى غير الأوروبي، المتأجج أيضا».
طُرح المشروع الأوروبي الموحّد ك«مؤسسة» منذ توقيع معاهدة روما عام 1957، وك«فكرة» منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وما خلفته من خراب.
هذا البناء الموحّد لم يكتمل حتى الآن. ولكن هذا لا ينفي واقع أنّه غيّر وجه القارّة وأبعد مرّة واحدة، وربما إلى الأبد، شبح أية حرب قادمة تكون مسرحا لها. وكان مسار توحيدها قد عرف عدة مراحل متعاقبة، إذ بدأ بست دول وانتهى ـ حتى الآن ـ ب27 دولة. ومع كل عملية توسيع كانت تتوسع أيضا حدود منطقة السلام.
وبهذا المعنى قام البناء الأوروبي، وتوسّع وتعمّق، على أساس العقل أولا، والقناعة بأن المصلحة الجماعية الأوروبية تقتضي التقدّم بخطى ثابتة نحو اتحاد أكثر رسوخا. وكانت مشاعر الالتزام الشخصي والقلبي العاطفي محرّكا أساسيا في السعي لإشادة هذا البناء. لكن بعض الخطوات كانت عجولة وأربكت المسيرة كلّها لاحقا.
واليوم، بعد مسيرة عدة عقود وأكثر، لا يزال الصوت الأوروبي «خافتا» على المسرح الدولي ومنقسما حيال العديد من القضايا، ولا تزال القارّة تفتقر إلى منظومة دفاعية منسّقة، ولو بالحدّ الأدنى، بحيث تبدو تابعة «دفاعيا» للحماية الأميركية والأطلسية. وليس لأوروبا الموحّدة، بتعبيرها الحالي الذي يمثّله الاتحاد الأوروبي، أية حدود ولا أحد يعرف أين ستتوقف عمليات توسيعه.
ما يردده كُثر اليوم، هو أنه لم يتم التأمّل طويلا في المسألة التركية عند انضمام اليونان للاتحاد الأوروبي. ولم يتوقف أصحاب القرار الأوروبيون ما يكفي للبحث في نتائج انضمام ايرلندا والنمسا «الحياديتين» لمسيرة التوحيد الأوروبية.
وأبدت بولندا لسنوات عديدة أشكالا من التردد حيال انتمائها للاتحاد. وبريطانيا نفسها لم تقرر الانضمام إليه على خلفية ميولها الأوروبية، ولكن سعيا وراء المكاسب بعد ظهور ما حققه من نجاح اقتصادي، ثم إنها عطّلت بدخولها أي أفق للتوحيد الأوروبي الكامل، في المدى المنظور على الأقل.
ثمّ إن الاتفاقية الأوروبية المبسّطة التي تم تبنّيها في لشبونة، بناء على اقتراح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للخروج من المأزق الدستوري، لم يتم التصديق عليها من جميع الدول الأعضاء، ولا يبدو أنها ستدخل حيّز التطبيق خلال الفترة المقررة من الآن وحتى نهاية هذا العام.
والبلدان الأساسية في الاتحاد الأوروبي، أي الأوروبية الغربية، بدأت تأخذ مسافة عن واشنطن بعد زوال التهديد السوفييتي السابق، على خلفية النظر إلى مصالحها الخاصة التي قد لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الأميركية. لكن دول أوروبا الشرقية والوسطى ـ الشيوعية سابقا ـ ترى أن الحلف الأطلسي والغطاء الأميركي، يؤمّن حمايتها أكثر من الاتحاد الأوروبي.
والثنائي الألماني ـ الفرنسي الذي يعتبره الجميع بمثابة المحرّك الأساسي للاتحاد الأوروبي منذ البداية، لا يعمل بالفعالية التي يتردد القول بها غالبا.
وهناك عدد من البلدان الأوروبية، وخاصة الصغيرة، المتعطّشة لتأكيد استقلالها الحديث العهد، وسيادتها، تولي اهتمامها المركزي، والحصري تقريبا، لمشاكلها المحليّة، وليس لسياسات الاتحاد الأوروبي «الكبرى» وللقضايا الدولية التي يوليها اهتمامه.
ولكن، في المقابل، لا ينبغي ل«مناطق الظل» المشار إليها، أن تخفي الجوانب «المضيئة» من التجربة الأوروبية. فأوروبا تتمتع بالقياس إلى مناطق العالم الأخرى، وحتى بالمقارنة مع أميركا، بمستوى معيشة عام مرتفع، وبمنظومات صحيّة وتربوية وغيرها ذات مستوى عالٍ. مثل هذا الواقع يدفع الأوروبيين للاعتقاد أن لهم الحق في «تلقين الدروس» للآخرين، بينما لا يسمحون لهؤلاء «الآخرين» ب«تعكير صفو هدوئهم». وماضيهم الاستعماري يعزز مثل هذا السلوك.
وماذا في منظور المستقبل؟
احتمال من ثلاثة. إذ يمكن للاتحاد الأوروبي أن يستكمل مسيرة توحيده للوصول على المدى الطويل إلى «وحدة» كاملة. ويمكنه أيضا أن ينتقل من أزمة داخلية، بحكم واقعه والثغرات التي يعرفها بناؤه أصلا، إلى أزمة أخرى، وليس مستبعدا أن تنفرط بضع حبّات من «العقد الأوروبي» خلال الطريق. وقد تتقدّم مسيرة التوحيد الأوروبي حسب إيقاع بطيء متدرّج، تستطيع الأجيال المتعاقبة أن تحل فيه العقبات المستجدة على الطريق.
ولعلّ الحكمة ومستلزمات تبدلات الجيوسياسات العالمية القادمة ومنافساتها، ستدفع في اتجاه هذا الاحتمال الثالث، باسم العقل والقلب معا.. ولكن أيضا ستدفع مستلزمات العلاقة مع أربعة «مجاميع» ستكون لها كلمتها في شؤون العالم، وتتمثل في الولايات المتحدة، والعالم الروسي، والكتلة الآسيوية الصينية ـ الهندية بحكم موازين القوى، وأخيرا العالم العربي وإفريقيا السوداء بحكم الجوار الجغرافي.
كاتب سوري مقيم في باريس
