تمثل المرحلة التي يمر بها المجتمع البشري بفعل سرعة وتائر التغير، بل بفعل سرعة التطور الهائل والفريد في نوعه في تكنولوجيا الاتصال وعالم المال وما يرتبط يهما، حالة فريدة في ظرفها التاريخي وتحولاتها المجتمعية.

وقد دفعت هذه التحولات نحو ما يسميه البعض بزيادة الطلب على العلم الاجتماعي، لتقديم تفسير/ تفسيرات نوعية للحالة البشرية الآنية، ورسم مشاهد لأشكالها المستقبلية، إلا أن عجز بعض هذه العلوم عن تقديم ذلك بفعل نزعاتها الأحادية أو تلك المغرقة في الأحادية، ليس عن تفسير الواقع القائم، وإنما كذلك في تقدير صور وأشكال مستقبلية له، قد دفع نحو مبادرات مهمة على صعيد مراكز إنتاج المعرفة في الغرب والشرق، أخضعت هذه العلوم وتوجهاتها للبحث والتمحيص ورفضت في ذلك أحاديتها وانعزاليتها.

من هنا جاءت الدعوة صوب أهمية توظيف التداخل بين العلوم الإنسانية والاجتماعية المختلفة، وتجديد تقنياتها من أجل فهم أفضل للمجتمع البشري، بل في توظيف نتاج بعض العلوم الطبيعية في فهم وتفسير الواقع الاجتماعي القائم في المجتمع البشري. ورغم أن هذه المحاولات في جلها قديمة، إلا أنها كما يبدو لم تجد لها الصدى الكافي في الأوساط الأكاديمية والعلمية العربية.

لقد خضعت العلوم الاجتماعية والإنسانية لتطور كبير في منشئها الأصلي، بل إن تحولات الواقع المتسارعة قد فرضت هي الأخرى تطورا موازيا في هذه العلوم، يعكس قدرات إبداعية ذات علاقة في حالات كثيرة بحاجات المجتمع وتحولاته. فالمجتمعات البشرية المعاصرة تعيش حالة متزايدة من التمايز والتعقيد، بالإضافة إلى كونها تعيش حالة جديدة من التشابك والتداخل.

ويواجه الأفراد والجماعات والفئات، صعوبات جمة في التكيف مع وتيرة التغيرات المتسارعة، وقد يعزى ذلك في بعضه إلى عجز العلوم الاجتماعية عن مواكبة وفهم كثير من الظواهر والمشكلات الاجتماعية، الناشئة عن تلك التحولات الفريدة في نوعها والتي جاءت على المجتمع البشري خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية.

بل إنهم قد باتوا يعلنون فشلهم في التنبؤ أو في فهم بروز ظواهر التطرف الديني، ليس في أوساط الجيل الأول من المهاجرين العرب والمسلمين في أوروبا، وإنما في الأجيال التي نشأت وترعرعت في حضن المجتمعات الأوروبية.

كما هو عجزها عن كشف حاجات الأفراد والفئات الاجتماعية والإثنية المختلفة، بل في عجز المجتمعات الأوروبية أو بعض من الجماعات المؤثرة وصاحبة الأكثرية، عن التكيف مع حالة التعددية الإثنية التي باتت تتسم بها المجتمعات الأوروبية.

ومع ذلك فإن من المهم القول إن هذه المجتمعات لديها القدرة والجرأة على الإفصاح عن الإخفاق، كخطوة أولى نحو تصحيح مساراتها وفهمها لمشكلات مجتمعاتها.. أي أن هذه المجتمعات باتت قادرة على توظيف طاقاتها البشرية والمعرفية في فهم مجتمعاتها وتجاوز أو حل مشكلاتها، بل وفي ابتداع الآليات والطرق لتجاوز ذلك.

فهذه العلوم لم تعد قلاعا منعزلة للمعرفة أو حقولا منفصلة عن بعضها البعض، وإنما دفعت الحاجة وتطور الوسائل المنهجية والنظرية والعلمية فيها، نحو فهم قدر كبير من التداخل والتشابك الواقع فيما بينها. ويتم ذلك على مستوى التواصل بين المعارف ذاتها، كما هو بين المؤسسات القائمة على ذلك. أي أن التأسيس العلمي للطالب يأخذ في اعتباره هذا التداخل والتشابك والتكامل بين العلوم الاجتماعية والإنسانية المختلفة. بل إن هذه العلوم باتت متفاعلة ومتداخلة بشكل كبير، مع العلوم الطبيعية والرياضية.

إن متخصصي هذه المعارف باتوا على دراية ومعرفة بالتطور الحاصل في العلوم الطبيعية، وطرق استجلاب نتائجها وأنجع الطرق في توظيفها في العلم الاجتماعي، كما أن التطور الهائل في تقنية المعلومات دفعت هؤلاء نحو مواجهة بعض التقنيات المنهجية والأطروحات النظرية، التي بها أو من خلالها تعالج أو تقارب بعض المشكلات والظواهر الاجتماعية.

فمثلا، ونتيجة لهذا التوظيف ـ أي توظيف نتاجات العلوم الطبيعية في العلم الاجتماعي ـ بات هناك حديث متزايد في أوساط بعض العلماء في ما يتعلق بانتقال الثقافة، ليس عبر وسائطها التقليدية المعروفة أو عبر وسائط العولمة والثورة المعلوماتية الجديدة، وإنما عبر ما يسميه سوركن بالحالات الانفعالية المعينة التي تسود في فترات تاريخية في بعض شعوب العالم.

وهذه الحالات تأتي على بعض شعوب العالم، إما في حالات صعود قوى اجتماعية وسياسية معينة، أو في حالة انهيارها. ويشيرون هنا لتجربة انهيار القيصرية في روسيا، وصعود النازية في ألمانيا، بل إنهم يشيرون كذلك لحالة سقوط نظام الشاه وانهيار يوغسلافيا الاتحادية.

ويتطرق هذا البعض كذلك لحقيقة أن تطور قدرة الإنسان على التحكم في تطوره البيولوجي، قد لا يقود بالضرورة إلى تطور طبيعي في النوع البشري أو الإنساني، وإنما هو قد يقود إلى حالة من حالات زالانفلات الثقافيس، أو إلى تطور ثقافي غير طبيعي، أي ما سمي بحالة زتوريث الثقافةس.

وهي حالة وإن كان هؤلاء يعتقدون بعدم شيوعها، إلا أنها قائمة حتى خارج إطار تقنيات العلوم الطبيعية. فجماعات إثنية بعينها تعرف في هذا بتناقل أنماط السلوك فيما بينها، رغم عدم توظيفها لنتاج العلم الطبيعي.

كما فرضت عمليات العولمة موضوعات، مثل الدمقرطة وحقوق الإنسان والمواطنة والنوع الاجتماعي، ليس على مستوى الفكر والبحث في مواقع من العالم العربي، وإنما فرضت نفسها كأجندات على الساحة السياسية والاجتماعية والثقافية، تتبنى قوى وتجمعات سياسية واجتماعية ولربما إثنية.

وهي موضوعات لم يعد يهتم بها متعاطي السياسة فقط، وإنما كذلك الباحث في الحقل السوسيولوجي وعلم السياسة والاقتصاد وعلم النفس والقانون والتاريخ والأدب والنقد الأدبي وغيرها.

ويبقى التساؤل مع ذلك حول المدى الذي قد تفاعلت معه الجامعات العربية، أو بالأحرى المدى الذي بات فيه هذا الشأن يشكل أجندة هذه المؤسسات البحثية والمعرفية وأجندات العاملين فيها على المستوى البحثي، وهي في هذا تبقى اهتمامات محدودة ومعزولة، قد لا تجد أي اهتمام أو دعم مؤسسي أو مادي في هذه الجامعات.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com