وجه عدد من البرلمانيين الجورجيين اتهاما للرئيس الروسي ديمتري مدفيدف بأنه انتهك السيادة الجورجية ودخل أراضي جورجيا بشكل غير قانوني، وذلك عندما قام بزيارة إقليم أوسيتيا الجنوبية الانفصالي، واعتبر البرلمانيون الجورجيون أن تصرف مدفيدف بادرة عدائية ضد تبليسي.
ولا شك أن هذه اللهجة في تصريحات ومواقف البرلمان الجورجي، جاءت في إطار مساعي حكومة تبليسي لإقناع المجتمع الدولي بأن روسيا تنوى توجيه ضربة عسكرية جديدة لجورجيا وتهدد أمنها، وقد احتجت جورجيا على «مناورات القوقاز 2009» التي نفذتها وحدات من القوات الروسية المرابطة في الجنوب الروسي أواخر يونيو الماضي، بمشاركة وحدات ترابط في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، حيث أعلن نائب وزير الخارجية الجورجي الكسندر نالباندوف أن جورجيا والمجتمع الدولي ينظران إلى هذه المناورات بأنها «عمل استفزازي خطر».
وترافقت المناورات مع مغادرة مراقبي منظمة الأمن والتعاون الأوروبية لجورجيا، الذين بدأوا عملهم في هذه المنطقة قبل 17 عاما، لمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين حكومة جورجيا وسلطات الإقليمين الأبخازي والأوسيتي الانفصاليين، إضافة إلى انسحاب مراقبي الأمم المتحدة.
وقد حاول الأميركيون تهدئة القلق الجورجي بإرسال مدمرة «ستاوت» التابعة للبحرية الأميركية، إلى ميناء باتومي في 14 يوليو، وتنفيذ تدريبات مشتركة تقوم بها وحدات بحرية جورجية مع مدمرة «ستاوت» في البحر الأسود داخل المياه الإقليمية الجورجية.
ويكشف التناقض بين هذه المواقف والتحركات التي تقوم بها جورجيا، وبين تصريحات رئيسها ميخائيل ساكاشفيلي، الذي أعلن عقب زيارة أوباما إلى موسكو ولقاءاته مع مدفيدف وبوتين أنه لن تقوم حرب في القوقاز بين جورجيا وروسيا، مستندا إلى تصريحات أوباما التي دعا فيها لاحترام سيادة جورجيا، ودعم واشنطن لحكومة تبليسي.
ولا شك أن موسكو لا تنوى شن حملة عسكرية جديدة ضد جورجيا، إلا أن هذا لا يعنى نهاية الصراع الدائر، وبالرغم من المكاسب التي حققتها روسيا على الصعيد الدولي في ما يخص صلات التعاون مع الغرب، والذي بدأ عمليا يتراجع اهتمامه بالمطالب الجورجية، ويحرص على توطيد التعاون مع روسيا لتسوية الوضع المتوتر في أفغانستان، إلا أن موسكو ما زالت تبحث إمكانية إزاحة ساكاشفيلي من منصب الرئاسة واستبداله برئيس جورجي موالٍ لروسيا، وقد طرحت في الفترة الأخيرة عدة أسماء، منها رجل الأعمال الروسي الجنسية والجورجي الأصل، ميخائيل خوبوتيا زعيم حزب «اتحاد الشعب الجورجي» المعارض.
والذي يرفض انضمام جورجيا إلى حلف شمال الأطلسي. ورجل الأعمال الكسندر يبراليدزه المقيم في مدينة سانت بيتربورج، وهو من المقربين من فلاديمير بوتين رئيس الحكومة الروسية، وتقدر ثروته ب125 مليون دولار ويتزعم حزب «جمعية شعوب جورجيا».
إلا أن هذين المرشحين لا يمكن أن يترشحا لرئاسة جورجيا وفق أحكام الدستور، باعتبار أنهما يحملان جنسية غير الجنسية الجورجية. ما دفع البعض للحديث عن رجل الأعمال ليفان بترفيلي المقيم في النمسا، ويحظى بتأييد قوي داخل جورجيا وخارجها لأنه يحمل الجنسية الجورجية، وأعلن عن عزمه الترشح في انتخابات الرئاسة القادمة.
والخلل في حسابات موسكو يكمن في أن واشنطن قد تريد بالفعل استبدال ساكاشفيلي، بعد أن فشل في القيام بدوره وأصبح مصدر مشاكل وأزمات، وتتعارض سياساته مع توجهات إدارة أوباما في المنطقة، ولكنها لن تقبل بتولي سياسي جورجي موال لموسكو منصب الرئاسة،.
وهو ما يجعل فرص نينيا بورجنادزه، شريكة ساكاشفيلي السابقة في إسقاط حكم شيفرنادزه ورئيسة البرلمان السابقة، الأكثر حظا، خاصة وأنها بدأت في إقامة جسور مع موسكو، ودعت لاحترام المصالح الروسية في تصريحاتها.
وستكون معارضة روسيا لتولي بورجنادزه منصب الرئاسة حادة وقوية، لأنها لم تحاول التوصل بشكل عملي إلى تسوية مع موسكو كما فعلت رئيسة الحكومة الأوكرانية يوليا تيموشينكو، ما قد يعنى أن إقدام موسكو على إحداث هزة كبيرة في جورجيا، أمر متوقع، ربما عبر شن عملية حربية، وتنصيب شخص ما موال لروسيا رئيسا لجمهورية جورجيا، دون انتظار الانتخابات المفترض إجراؤها في جورجيا عام 2013.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني