على مدى أكثر من نصف قرن على قيام ثورة 23 يوليو المصرية عام 52، بكل ما لها وعليها كحركة ثورية رائدة، وعلى مرور نحو أربعة عقود على رحيل قائدها جمال عبد الناصر عام 70 بكل ما له وعليه كتجربة إنسانية قائدة.

ورغم استمرار الحملات الدعائية المضادة لقيم الثورة ولقيمة الرجل، وارتفاع ضجيج أصوات بعض الذين اختاروا ألا يقرأوا التاريخ، أو أن يقرؤوه بعين واحدة وبنصف عقل ونصف ضمير، على هذا الجانب أو ذاك، لا تزال القيمة التاريخية والمبادئ التحررية للثورة المصرية حاضرة في ذاكرة شعوب الأمة حتى اليوم، وما زلت مؤثرة في الحاضر وملهمة للمستقبل. وما زال زعيمها الراحل بقامته العالية وبقيمه الإنسانية الباقية، حيا في وجدان أجيال من الشعب المصري والشعوب العربية، بل والعالمية.

هذه الحملات التي لم تهدأ على مدى نصف قرن، دليل واضح على أن قيم هذه الثورة لا تزال فعالة ومحررة ومجرد ذكرها يزعجهم، وعلى أن قيمة الرجل ما زالت فاعلة ومؤثرة ومجرد ذكراه تؤرقهم. لقد عاشها عبد الناصر في حياته عن علم بمصادرها المعادية.

وكان يرى فيها دليلا على سلامة سياسته التي ترضي الشعب المصري والعربي ولا ترضيهم، وكان يقرأ جميع نشرات وتعليقات إذاعات لندن وتل أبيب والدوائر المعادية، واليوم الذي كان يخف فيه الهجوم عليه كان يخاف منه، لأنه يشعر أنه فعل شيئا في الاتجاه الخطأ بما يرضي تلك الدوائر الاستعمارية.

وبعد رحيل عبد الناصر لم تتوقف تلك الحملات، بل زادت بشكل مضاعف لإنهاء دور الثورة أو لتبرير تغيير وجهتها والانقلاب عليها، لكنهم لم يكتفوا فقط بقراءة ما على الثورة أو ما على قائدها مما يرونه أخطاء، وكل البشر خطاؤون، سواء قبل الثورة أو بعد عبد الناصر، متجاهلين عن غرض أو مرض ما للثورة من إنجازات تنموية عملاقة، وما للرجل من مواقف تاريخية سباقة، بل إن بعضهم من جرحي الثورة أو من المنتفعين من أعداء الثورة، ذهب بعيدا في قلب الحقائق من وراء نظارات سوداء أو بعينين مغمضتين، وبالتشويه والافتراءات ولي عنق الأحداث وسوء القراءة والاستدلال.

وهذا دليل آخر على أن الرجل في قبره يؤرقهم أكثر مما كان في قصره! وما زالت الثورة المصرية ملكا لشعبها وحية بمبادئها التحررية الوطنية والقومية لتحرير الأوطان والإنسان، في مواجهة الصهيونية والاستعمار الذي كانت راياته الإنجليزية في المشرق العربي والفرنسية في المغرب العربي حينها، تحجب شمس الحرية في معظم السماء العربية..

وما زالت الثورة حية، كذلك، بأهدافها الإنسانية لتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، في مواجهة الفساد والإقطاع الذي كان يملك الأرض بما عليها ومن عليها من شجر وبشر، وفي مواجهة سيطرة طبقة النصف في المائة على الحكم، والتي كانت تملك كل شيء بينما جل الشعب لا يملك شيئا!

وما زال جمال عبد الناصر بزعامته الشعبية وقيادته التاريخية، التي أكدت دور مصر ومكانتها العربية والأفريقية والعالمية، رمزا باقيا وملهما لكل ما هو تحرري وطني أو عربي أو إنساني، وبقي في الوجدان الشعبي بقيمته الغالية «رجلا من أغلى الرجال، وأشجع الرجال وأعز الرجال» الذين غيروا تاريخ مصر وعبروا عن ضمير شعبهم، سواء لدى المنصفين والشرفاء من المؤرخين والمثقفين المصريين والعرب ممن شهدوا ميلادها أو عايشوا أحداثها، أو من تلك الأجيال الجديدة التي ولدت بعد غياب رموزها.

الثورة تبقى تاريخا، وليست مجرد ماضٍ.. والفارق كبير بين الماضي والتاريخ، كما أن الفارق أكبر بين من صنعوا الثورة المصرية وضحوا، ومن صنعتهم الثورة المصرية واستفادوا!

mamdoh77t@hotmail.com